روي مسلم في صحيحه عن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتي يأتي أمر الله وهم ظاهرون علي الناس» [[1] ]- وله أيضًا عن عقبة بن عامر مرفوعًا: «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون علي أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتي تأتيهم الساعة وهم علي ذلك» [2]
ذلك أن شرعية الكيانات في الإسلام لا تتحقق إلا من خلال الجماعة، التى هى التزام الكتاب والسنة والاجتماع عليهما، والالتزام الفردي دون الاجتماع عليهما ككيان، لا يحقق لمجموع الأفراد الذين يفتقدون هذا الاجتماع معني الجماعة، ولا صفة الشرعية ولا الهوية، والاجتماع علي غير الكتاب والسنة، لا يحقق للداخلين فيه معني الجماعة، ولا صفة الشرعية، ولا صفة الهوية الإسلامية.
فالإسلام يحقق التماسك الاجتماعي من خلال تحقيق العوامل الثلاث السابق ذكرها وذلك علي النحو التالي:
أ- الهوية الجماعية: وتتمثل في الرابطة أو حبل الله كما أمر الله تعالي: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} سورة آل عمران: 103.
ب- المشاركة: من خلال الشوري الملزمة ضمن عمل أهل الحل والعقد وعمل أهل النظر والاجتهاد [3] .
ج- استقرار القيم: من خلال القيم الإسلامية: {دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} الأنعام، الآية: 161
لقد حقق الإسلام منذ عصوره الأولي ـ بهذه العوامل الثلاث ـ تماسك الأمة وتماسك الفرد فأخرج خير أمة أخرجت للناس فكانت كما يحب الله عز وجل بنيانًا متماسكًا: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} الصف الآية:4
كما كانت هذه الأمة كتلة واحدة بل جسدًا واحدًا أخبر عنهم: «تري المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمي» ، فكانوا بحق أمة واحدة تصديقًا لخاتم المرسلين: « ... إنهم أمة واحدة من دون الناس» ، «تتكافأ دماؤهم ويسعي بذمتهم أدناهم وهم يد علي من سواهم» .
وهكذا أصبحت الأمة الإسلامية متمايزة عن غيرها في كل شئ:
1 -رايتها:
لقد أعلنها صلى الله عليه وسلم راية ربانية تقوم علي تعبيد الناس لربهم منذ اليوم الأول لدعوته .. وإن كان استرداد الأرض من مغتصبيها والعدالة الاجتماعية وغيرها من أنواع العدل، والإصلاح الأخلاقي وغيره من الإصلاحات هو من مقاصد هذا الدين ... {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلي اللّهِ عَلَي بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} يوسف، الآية: 108.
2 -تجرد هويتها:
(1) / مسلم جـ 2، ص 162.
(2) 5 / مسلم جـ 2، ص 163.
(3) 6 / ما يطرح للشوري في عمل أهل النظر والاجتهاد ما ليس فيه نص ولا إجماع وشوراهم ملزمة بأغلبية الآراء، وعمل أهل الحل والعقد النظر في مصالح المسلمين، ودليل الإلزام النصوص القرآنية وحديث: حتي أستأمر السعود ـ ولعله يعني سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وغيرهما من الأنصار ممن يسمي سعدًا كما ذكروا في هامش ص 37 ـ والوقائع التاريخية من سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين المهديين من بعده.