لم يرد غوته أن تمزقه المخبولات، فقد تراجع أمام الغاية القصوى، وهزيمة فاوست لها قرابة بإخفاق أورفيوس في رحلته إلى العالم السفلي (42) . وقد كان الشاعر دائما طبيب الناس، فهو يتيح لهم أن يعيشوا في خيالهم الغاية القصوى التي تظل خافية عنهم في الواقع. ويقودهم في موكب النساء المجنونات فوق جميع القمم و في أعماق مهاوي اللاوعي ويتركهم سعداء طاهرين (43) . كان هذا التحول الخالد يشكل موضوع غوته، وليس الوجود الهادئ، وكان في الحقيقة يصور نفسه دائما ولكن غنى الإنسان كله كان يظهر في صور وفيرة الأشكال والألوان، وبقي خلقه قضية تحول سحري. كتب عنه ريمر (Riemer) يقول:
"لقد كان غوته بعيدا عن أي نوع من أنواع الادعاء إلى درجة أنه لم يكن يقيم وزنا لكتاباته، ولم تعد تهمه بعد فترة من الزمن، بل لقد نسيها، وكان يتعجب حين يعيد قراءتها من أن يكون هو نفسه قادرا على كتابة شيء من هذا النوع. فقد كانت كتاباته على حد تشبيهه، قشرات كثيرة من كيانه، وجلود الثعابين المتروكة، وقطعا من ألبسته القديمة."
وقال غوته عن الديوان الشرقي ـ الغربي بعد ثمان سنوات من إصداره له:"إن ما فيه سواء كان شرقيا أو عاطفيا لم يعد يعيش في نفسي، فهو يشبه جلد ثعبان ترك في الطريق (44) . ويعتقد آيشندورف أن"الشاعر هو قلب الدنيا". وكيف لا وهو الذى يسبر أغوارها، ويكتشف أسرارها، ويظهر جمالها، ما ظهر منه وما خفي، للعيون، التي لا ترى دواخل الأشياء وخوارجها بوضوح."
وقد استمد الشاعر الإنجليزي ألكسندر بوب صورة قوة الموسيقى من أسطورة أورفيوس، فعبر في إحدى قصائده عن فقدانه لحبيبته، منها قوله (45) :
ولكن سريعا، سريعا جدا، يدير العاشق عينيه،
وتقع الفتاة مرة أخرى، وتموت ثانية، تموت!