ونسيت الموضوع بعدئذ، و لم أعد أهتم به لظهور مسائل أخرى، كانت تتطلب اهتماما مغايرا لذلك الاتجاه تماما. وذات يوم عثرت على ذلك المقال بين أوراقي القديمة، كما عثرت على كتاب للناقد السويسري فالتر موشغ
1898 - 1965 (تحت عنوان"تاريخ الأدب المأساوي"(1) ، كنت ـ ولا أزال ـ أعده من أجمل الكتب النقدية في هذا المجال. فقد تحدث فيه عن موضوعات كثيرة مختلفة، تدور كلها حول الفن والفنانين على تباين مشاربهم ومعاناتهم، واختلاف مآسيهم ومصائرهم، كان من بينها حديثه عن هذا الساحر بالذات، الذى كانت له هو الآخر مأساته المريعة. وفجأة وجدتني أعود إلى موضوعي القديم وأحاول صياغته من جديد على هذه الصورة الموالية، وإعادة الصياغة أمر عند الأدباء والكتاب والباحثين، لا اعتمادا عليه وحده وإنما عدت إلى مصادر أخرى تتصل بالموضوع نفسه. وأعترف أن شغفي الأول به يعود الفضل فيه إلى دريني خشبه، الذى روى قصة أورفيوس ـ على عادته ـ بأسلوب شاعري جميل (2) .
ينطلق موشغ، قبل أن يبحث عن جذور موضوع الساحر، من أدب لغته الألماني، فيذكر أن هذا الأدب يبتدئ بتعويذتين تعتبران وحيدتين في الأشعار الوثنية في اللغة الألمانية (3) ، وهما تدلان على أن الشعر كان منذ القديم في خدمة السحر، ويتعلق الأمر في الأولى منهما بإطلاق سراح أسرى الحرب، جاء فيها:
جلستِ العذارى المُحارباتُ،
جلسنً هنا وهناك:
بعضهنَّ يوثقن القيود،
وبعضهنَّ يُعِقن تقدم الجيش،
وبعضهنَ ينزعنَ