الآنيَّةِ مُؤسِّسَةً نمطًا معيشيًا اِنعكسَتْ آثارهُ وتَبدَّتْ على سُلوكياتِنا حتَّى باتتِ الأقوالُ والأفعالُ الصادرةُ عنَّا خاضِعةً لسلطةِ اللغةِ، ولِسياقها المؤسَّسي.
اِجْتِمَاعِيًَّا"الفردُ"وِحدةٌ صُغرى مِن الوَحَدَاتِ التَّرْكِيْبِيَّةِ للمُجتمعِ، دَورهُ المحوريُّ ليسَ التأسيسَ، بلِ الخضوعُ التامُّ لسلطة مُتَوَرَاثةٍ عبرَ أجيالٍ وأجيالٍ؛ تَتعاقبُ في سِلسِلةٍ طويلةٍ من القوانينِ اللغويةِ؛ المنظِّمةِ لِمُختلفِ جوانبِ حَيواتِنا، ولعلَّ أبرزَ مثالٍ للسلطةِ اللغويةِ يَتضِحُ بِشكلٍ جليٍّ في الحاكميةِ (6) الدِّينيةِ (7) المنظِّمةِ لشؤونِ البشرِ، أكانوا أفرادًا، أم جَماعاتٍ؛ لا فرقَ في ذلكَ، فالحاكميةُ"نِظامٌ"مؤسَّسٌ عبرَ سُلطةِ اللغةِ.
إنَّ اِختراقَ النِّظامِ أمرٌ بالغُ الصُّعُوبةِ، غالبًا ما يُؤدي إلى نَبذِ المُخترِقِ، وإقصائهِ بَعيدًا، فمعنى الحياةُ في مجتمعٍ هو الاستسلامُ، والخضوعُ لسلطةِ ذلكَ المجتمعِ، ولِسلطةِ القوانينِ اللغويةِ المُتَّبعةِ فيهِ، وأيُّ اِهتزازٍ في القوانينِ إنما يعني اِهتزازًا في السُّلطةِ (8) ذاتها، وهو ما تُجاهدُ اللغةُ للبعدِ عنهُ.
قّدْ يَحدثُ أحيانًا اِهتزازٌ في سُلطةِ اللغةِ، لكنَّ ذلكَ يُؤدي لِتَكوُّنِ، ونُشوءِ (9) سُلطةٍ جديدةٍ غالبًا، ولنا في مثالِ الرِّسالةِ المُحمَّديةِ خيرَ شاهدٍ على ذلكَ، إذِ الحياةُ العربيةُ سارتْ رَدحًا طويلًا وِفقَ سُلطةٍ لُغويةٍ محددةٍ، ثُمَّ بزغَ الفجرُ الإسلاميُّ بِسُلطةٍ جديدةٍ؛ أزاحتْ جانبًا سُلطةَ الجاهليةِ (10) المَغروسةِ في نفوسِ أهلها، وكَمْ كان التَّغيُّرُ صعبًا؟!!
السياقُ السُّلطويُّ الإسلاميُّ قادَ المرحلةَ الراهنةَ آنذاكَ، لمْ يستنسِخْ قواعدَ اللعبةِ الجاهليةِ، بل أوجدَ قواعدَ جديدةٍ سارَ الناسُ وِفقهاَ في تنظيمِ جميعِ شؤونهِم، حيثُ رسمَ طريقَ المؤمنينَ منذُ لحظةِ ميلادهم وصولًا إلى نتيجةِ حَيواتِهم الكليةِ؛ إمَّا الجنةُ (11) ، أو النارُ (12) .
تَغيَّرتِ المفاهيمُ (13) ، والمصطلحاتُ في عُرفِ العربيِّ، وذِهنهِ، حيثُ باتتِ القوانينُ القديمةُ غيرُ نافعةٍ في مُمارسةِ الحياةِ الجديدةِ؛ إذْ اِنتفتِ المسلماتُ السابقةُ وحلَّتْ مكانها مُسلماتٌ جديدةٌ أُشبِعَتْ بروحِ القيمِ السماويةِ العليا.