الثَّقافةُ كَلِمةٌ مُوجزةٌ، إنَّما مَدلولُها مُتشعِّبٌ، ومُتنوعٌ، إنَّها كِيانٌ مُعقدٌ أشدَّ التَّعقيدِ، يَحتملُ اِختِزالاتٍ عَميقةٍ لِأبعَادٍ مُتعدِّدةٍ؛ كالتاريخِ، والتُّراثِ، والسِّياسةِ، والاقتِصادِ، والدِّينِ، والعِمرانِ، والأدبِ بِأقسامهِ، وهَلمَّ جرا.
البَحثُ في كَلمةِ"ثَقافةٍ"يُشابهُ البَحثَ في كَلمةِ"أدبٍ"؛"كَلمةُ الأدبِ كَلمةٌ موجزةٌ بَسيطةٌ فِي ظَاهرِها ولكنَّ الاقترابَ مِنها لِمُحاولةِ تَعريفها يُبينُ أنَّها مُعقَّدةٌ أشدَّ التعقيدِ" (80) .
الأدبُ يُنتجُ تَأثيرًا (81) ، كَذلكَ الثَّقافةُ تُؤثِّرُ تأثيرًا مَلموسًا في لُغةِ النَّاسِ، وحَياتِهم (82) ، والأدبُ يَستعملُ اللغةَ في عَملهِ، بَينما الثَّقافةُ تَشملُ كُلَّ شَيءٍ؛ لُغويًا كانَ أمْ غَيرَ لُغويٍّ (83) .
"لا يُشترطُ في الأدبِ أنْ يُضيفَ إلى القارئِ عِلمًا جَديدًا" (84) ، لكنَّ الثَّقافةَ تَعملُ دَومًا على تَوجيهِ الفردِ، وإعطائِهِ وِجهةَ النَّظرِ إلى الأشياءِ؛ إذْ تُعيدُ صِياغةَ فِكرهِ بِناءً على المُعطَياتِ المُتوفرةِ.
هُناكَ"حَيثُ تَنتهي العلومُ بِحقائِقها يَبدأ الأدبُ طَريقَهُ بَعدَ ذَلكَ" (85) ، أمَّا الثَّقافةُ فهي الحاملُ لِتلكَ الحقائقِ العلميةِ، والقيمِ الاجتماعيةِ (86) ، ولا تَكتفي بِذلكَ، بل تَعملُ على اِستخلاصِ النتائجِ مِنها؛ إنَّها بَحثٌ طَويلٌ عَن المَعرفةِ بِكافةٍ أشكالها، وفُروعِها.
"إنَّ الأدبَ أشدُّ تَعقيدًا مِن العلمِ لأنَّ الإنسانَ مادةُ هَذا الأدبِ ومِحورُهُ كَائنٌ مُعقدٌ أشدَّ التَّعقيدِ" (87) ، والثَّقافةُ بِهذا المَفهومِ أشدُّ تَعقيدًا مِن الأدبِ، لأنَّ الأدبَ بِنيةٌ مِن بِنياتِ الثَّقافةِ المُتعدِّدةِ.
الكِيانُ الثَّقافيُّ كِيانٌ حَيٌّ مُتطورٌ، مُتسِعُ الأفُقِ، شُموليٌّ، اِبتكاريٌّ، سُلطويٌّ، مُتغَلغلٌ في طَبقاتِ المُجتمعِ، ذُو تأثيرٍ، واِمتدادٍ بِكافةِ النُّظُمِ المَعرفيةِ والاجتماعيةِ.
الثَّقافةُ كُليةٌ، واللغةُ مُفردةٌ من المُفرداتِ المُشكلةِ لَها، ولا نَستطيعُ التأكيدَ؛ هَل إنَّ اللغةَ أهمُّ مُفردةٍ ثَقافيةٍ (88) أمْ لا؟ لَكنها تَحتلُّ مَوقِعًا مُميزًا بالتأكيدِ دَاخلَ المَنظومةِ الثَّقافيةِ المُتكاملةِ.
أبرزُ تَغيُّرٍ حَدَثَ على المُستوى الثَّقافيِّ كَانَ اِنتقالَ الإنسانِ العربيِّ مِن طَورِ الجاهليةِ، ونَمطِها إلى الطَّورِ والنَّمطِ الإسلاميِّ (89) ، فَلقدِ اِنتقلتِ الحياةُ العَربيةُ مِن النَّموذجِ الجَاهليِّ إلى النَّموذجِ الإسلاميِّ؛ بِكُلِّ ما