وتخفيف، وفتح وإمالة، ... ولعل أقدم رواية أو حوار نعثر عليه في هذا الباب، ذلك"الحوار الّذي دار بين الأصمعي وأعرابي، ولكن عالمًا جليلًا كابن فارس، يكاد يجزم عكس ذلك، تماشيا مع نظريته التوقيفية، زاعمًا أنّ العرب عرفوا هذه المصطلحات اللغوية قبل مجيء الإسلام، وتقعيد علوم اللسان العربي لاحقا، إذ قال الأصمعي للأعرابي: أتهمز إسرائيل؟ قال: إنّي إذًا رجُلُ سَوْءٍ، ثم سأله: أفتجرّ فلسطين؟ قال: إنّي إذًا لرجل قويّ" [1] ، وسَمعَ أعرابيّ إمامًا يقرأ:"ولا تَنْكِحُوا [2] المشركين حتّى يؤمنوا"، قال ساخرًا أو على سبيل التعجب:"ولا إنْ آمنوا أيضًا لن نَنْكِحهُم، فقيل له: إنّه يلحن، وليس هكذا يُقْرأ، فقال: أخِّروه، قبّحه الله! لا تجعلوه إمامًا، فإنه يُحلّ ما حرّم الله" [3] .
وسُمع بعض فصحاء العرب يُنشد (رجز) :
نحن بني عَلْقَمَةَ الأخيارَا
فقيل له:"لم نصبت بني؟ فقال:"ما نصبته!"، وذلك أنه لم يعرف من النصب إلا إسناد الشيء" [4] ، وحكى أحد العلماء عن أعرابي فصيح"أنه سُئل أن ينشد قصيدة على الدال، فقال:"وما الدّال؟"، ولما طُلب من أبي حَيَّة النُّمَيْريّ (كان يروي عن الفرزدق) أن يُنشد قصيدة على الكاف، فقال [5] :"
كفى بالنأي من أسماء كاف ... وليس لِسُقمهمَا، إذْ طال، شَاف
ومما قاله:"فأما من حُكِيَ عنه من الأعراب الّذين لم يعرفوا الهمز والجرّ والكاف والدال، فإننا لم نزعم أن العرب كلّها -مدرًا ووبرًا- قد"
(1) - العربية بين الطبع والتطبيع، ص: 7.
(2) - أي بفتح التاء.
(3) - بوادر الحركة اللسانية الأولى عند العرب، ص: 10.
(4) - الصاحبي في فقه اللّغة، ص: 35 ابن فارس.
(5) - نفسه، ص: 35.