يختلفون فيه إعرابًا، ولذلك كان ثعلب (291 هـ) رائعًا فطنًا حين أشار إلى أن العرب"تخرج الإعراب على اللفظ دون المعاني، ولا يفسد الإعراب المعنى" [1] ، لأنّ الإعراب إذا كان"يفسد المعنى فليس من كلام العرب" [2] ، مشيدا بالفراء (207 هـ) الّذي كان يقول:"كل مسألة وافق إعرابها معناها، ومعناها إعرابها فهو الصحيح" [3] .
ومما لا جدال فيه، أن نقل حال العربية من صورتها الطبيعية إلى قولبتها صناعيًّا، لم يكن إلا من أجل تيسيرها، ووضعها في متناول الشعوب التي أقبلت على الإسلام، كانت اللبنات الأولى لقواعد النحو العربي بسيطة، هدفها التلقين السمعي البصري وأحسب أن قول أبي الأسود الدؤلي (69 هـ) لكاتبه الفَطِنِ اللَّقِن:"إذارأيتني قد فتحتُ فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه، وإن ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت الحرف، ..." [4] ، وهذه الخطوة في تقديرنا خطوة علمية عظيمة في تاريخ الدراسات النحوية العربية، لأنها"لم تقتصر فقط على إعراب أواخر الكلم من المصحف، بل تعدّته إلى الوعي التامّ بمعنى الفتح والضم والكسر، بدليل أنّ من جاؤوا بعده -إلى عهدنا هذا- يقولون في إعراب الفاعل مثلًا بأنه مرفوع"بالضمة"ولا يقولون: مضموم"بالرفعة"، ويقولون في المفعول وكلّ شيء نُصب بأنه منصوب"بالفتحة) أو مبني على"الفتح"، ولا يقولون: مفتوح"بالنصبة"، أو مبني"على النصب"، والشيء نفسه بالنسبة للكسر" [5] ."
ولما جاء سيبويه بعد أبي الأسود بزهاء قرن أقرّ أن مجاري أواخر الكلم العربية ثمانية مجار"على النصب، والجرّ، والرفع، والجزم،"
(1) - نفسه، ص: 131.
(2) - نفسه، ص: 131.
(3) - نفسه، ص: 131.
(4) - الفهرست، ص: 60 ابن النديم.
(5) - بوادر الحركة اللسانية الأولى عند العرب، ص: 130.