الصفحة 7 من 30

ولعل ما أقدّره مناسبًا للإشارة إليه في هذا المقام، أن اللسانيين العرب المتقدّمين من نحاة ولغويين وقراء ربما احتاروا أو تردّدوا أو أفصحوا عن اختيارهم تارة بسليقتهم التي صارت فيهم طبعا وملكة لسانيّين ثابتين، ومرة بمراعاة القواعد التعليمية ذات الاتجاه المعياري الصارم القائم على نهج أكثر شيوعًا وتداولًا فيما جاء من كلام العرب، الأمر الّذي جعل جبابرة اللغة العربية وفحولها يتباعدون أحيانًا في مواقفهم اللسانية، ولو كرها منهم، فهذا الفراء يقول عن نفسه:"إتِّباع المصحف، إذا وجدت له وجهًا من كلام العرب وقراءة القراء أحبُّ إليَّ من خلافه" [1] ، وهذا أبو عمر وبن العلاء الّذي قال فيه يونس بن حبيب:"لو كان أحد ينبغي أن يؤخذ بقوله كله في شيء واحد لكان ينبغي لقول أبي عمرٍو أن يؤخذ كلّه، ولكن ليس من أحد إلا وأنت آخذ من قوله وتارك" [2] ، كان يقرأ:"إنّ هذين لساحران"، وقرأ:"فأَصَدَّقَ وأَكُونَ"بزيادة واوٍ في الفعل المضارع الناقص (أكون) ، وفي المصحف بدون واو، بينما قال ابن فارس: لست أجترئ على ذلك في الأولى (إن هذين لساحران) ، ولست أستحب ذلك في الثانية (فأصدّق وأكون) [3] ، وأما عيسى بن عمر (149 هـ) فكان يقرأ:"هؤلاء بناتي هُنَّ أطهرَ لَكم"بنصب"أطهر"، وهذا مخالف لما أجمع عليه النحويون، ولِمَا قرأ به القرَأَةُ، ولربما اتفق عالمان في الإعراب، واختلفا في التأويل، من ذلك أن عيسى وأبا عمرو كانا يقرآن:"يا جبالُ أَوِّبِي معه والطيرَ"، بالنصب، ولكنّهما لا يتفقان في تأويل النصب، فعيسى ينصب على تقدير النداء، وأبو عمرو نصبها على إضمار"وسخّرنا الطير"بدليل ما جاء على إثر هذا"ولسليمانَ الرِيحَ" [4] ، ولربّما حكّموا لهجات العرب فيما

(1) - الصاحبي في فقه اللغة، ص: 39.

(2) - طبقات النحويين واللغويين، ص: 35 أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي.

(3) - الصاحبي في فقه اللغة، ص: 39.

(4) - راجع طبقات النحويين واللغويين، ص: 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت