الصفحة 16 من 41

الشاعر الى ما شاء الله ان يعيش - كما فعل اصحاب القسم الاول- او في اواخر حياته - كما فعل اصحاب القسم الثاني- فكان ان بسطت هذه الوسيلة سلطانها على الشعراء فبرزت للعيان اثارها لدى قارئي دواوينهم.

اما القسم الاخير فادى عشقهم الشديد للبقاء الى ان يتوهموا نوعا من البقاء في كل ما يحبونه بل انهم لا يحبون شيئًا الا بعد توهم البقاء فيه، وما داموا على هذه الشاكلة فلا ريب ان تكون جميع كمالاتهم واذواقهم ومشاربهم تابعة للبقاء ايضا. وهذا ادى بدوره الى ان يطلقوا لانفسهم العنان للتمتع بالحياة ومباهجها المليئة بالمشارب والقيان.

الموت:

يعد الموت اخطر ظاهرة في الحياة وقف البشر بازائها حائرين مذهولين محاولين حل لغزها ومعرفة حقيقتها وكنهها، اذ أن جهلهم بهذا الحدث ينبههم الى مصيرهم، ويهدد نهايتهم ويقتلعهم من وجودهم، ويعيدهم الى التراب دفعهم للتأمل فيه طويلا منذ كانوا الا انهم لم يستطيعوا التوصل الى حقيقته او ان يعرفوا ما قبله وما بعده (( فهو لغز مذهل مجهول غامض لا نعرف عنه شيئا ) ) (58) .

وقال عنه البعض - محاولا التفريق بينه وبين المشكل- انه (( سر يصعب حله والفرق بين المشكل والسر، ان المشكل نلتقي به خارج ذواتنا فنصطدم به، اما الثاني فيتخلل كل حياتنا ووجودنا ونرتبط به كل الارتباط، فالموت بالنسبة لنا سر لانه ينفصل عن وجودنا، ما دام ذلك الوجود يسير حتما الى النهاية ) ) (59) لذا لجأ الانسان الى الاديان ليطمئن روحه الحائرة امام ذلك اللغز المحير.

وقد عرف الانسان الموت منذ كان لانه يسير محاذيا للحياة يرصدها ويترقبها وينقضّ عليها في الوقت المناسب، فهو يصيب الانسان مهما فر منه واوى الى مكان حصين، فاذا جاء اجله فلا واقي له ولا شئ يرده فهو (( سنة مألوفة في هذا الكون تتكرر دوما ولا تنقطع ) ) (60) ويحمل صفة الشمول المطلق لكل الاحياء مهما طال بهم الزمن ويدور على كل انسان يقضي على العالم والجاهل والكبير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت