فهرس الكتاب
سوء العذاب من جلادي طغاة الحكم الجبري، كل ذلك رغبة في إحياء الأمة، وكشف الغمة، وكسر صنم الوهن الذي جثم على صدور أبناء الأمة عقودًا طوالًا أقعدها فيها عن الحراك، وحال بينها وبين التضحية والفداء حتى غدت نهبًا مشاعًا للأمم الكافرة تتناهشها ذئابها ولا بواكي لها.
لقد أدرك أهل الجهاد أهل هداية السُبُل والرشاد حقيقة الداء الذي أصاب الأمة، داء الوهن, داء حب الدنيا وكراهية الموت، فخاضوا غمار معركة القضاء عليه، وانتزاعه من قلوب المسلمين، لأنه الحائل بينهم وبين الوظيفة التي شاءها الله لهذه الأمة، واختارها لها من بين الأمم لحمل أعبائها، واستطاعوا عبر جهادهم الطويل وغزواتهم البطولية التي توجوها بغزوة واشنطن ومانهاتن، وما تبع تلك الغزوة من حروب شنها العدو الصليبي على أمة الإسلام، أن يجيشوا المسلمين، ويشحذوا هممهم، ويكسروا حاجز الخوف وداء الوهن الذي حال بين الأمة وبين الانتفاض على الذلة والمهانة.
إن تحدي المجاهدين لأعتى قوة غاشمة عرفتها البشرية الولايات المتحدة الأمريكية -ربِّ جبابرة الحكم الجبري- والتنكيل بها ووقوفها عاجزة لا تلوي على شيء قد ساهم بشكل أساسي في إعادة الثقة إلى نفوس المسلمين، وأظهر لهم ضعف الأنظمة المرتدة الجاثمة على صدورهم، وبالتالي كان هذا التحدي خطوة مساعدة باتجاه القضاء على الوهن داء الأمة الدفين. وكأني بلسان حال الأمة يقول: إذا كان هذا حال آلهتهم فكيف يكون حال عبيدها.؟!
وكما كان لتحدي الولايات المتحدة وإعلان الحرب عليها دور في التأسيس لهذه الثورات، فقد كان لدماء المجاهدين وخطابات قادتهم المخضبة بالدماء دورٌ أكبر في التأسيس لهذه الثورات وذلك عبر إعادة صياغة العقل العربي من جديد، وإرساء دعائم فكر آخر متحرر من رواسب الماضي، وزرع لثقافة جديدة لم تكن في جيل آبائهم، ثقافة التضحية بالغالي والنفيس، والجود بالأرواح، وبذل الدماء، وبذلك تهيأت الشعوب تدريجيًا للانقلاب على جلاديها، والثورة على زبانيتها، بعد أن نزعت وتغلبت على داء هذه الأمة في هذا العصر ألا وهو داء الوهن الذي أوصلها إلى ما أوصلها من ذلة ومهانة وتسلط لم تشهد له مثيلًا على مرِّ تاريخها.