فانشق عليه بسبب التحكيم 12000 مقاتل تشككوا في صحة توجهه وأنه خالف المنهج وانحرف،
فحاورهم مستشاره ابن عباس واستطاع إقناع 8000 منهم فرجعوا لأميرهم، وبقي 4000 حتى ارتكبوا جريمة قتل فظيعة وكفروا المسلمين بغير حق فضلًا عن تكفيرهم للإمام علي رضي الله عنه ومخالفيه؛
عندئذ قرر الإمام قتالهم باتفاق من معه وعقد راية أمان لكل من ترك صفهم، فلم يبق منهم سوى 2000 فقضى عليهم وانضم الباقون لصفه،
ومع ذلك بقي فكر الغلو متخفيًا حتى قتل الإمام على أيديهم رضوان الله عليه؛
ومن هذه الحوادث قرر الحسن بن علي رضي الله عنه التنازل عن حقه في سبيل توحيد صف المسلمين،
فلما توحد الصف قرر غريمه التنازل عن المطالبة بمعاقبة الجناة لهول ما رأى من دماء سالت دون جدوى؛
ومن هذا نستفيد أمورًا:
أن الحق كان مع التريث في القصاص، حتى تهدأ الأمور ويتمكن المسلمون من اعتقال الجناة ومحاسبتهم بما يستحقون دون إراقة دماء غزيرة دون فائدة تذكر،
بل بعد إراقة الدماء وقتل الأخيار رجع الجميع لنفس الأمر،
وأيضا فقد تسبب هذا التقاتل في ظهور الغلاة وتغولهم حتى وصلوا لتكفير الأخيار وقتلهم وإحداث طرف جديد في الأمة عانت منه قرنًا بعد قرن،
وكان في تنازل الحسن بن علي رضي الله عنه ومدح رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلته قبل أن يحدث ذلك، فكان التنازل عن صفاء المنهج لمصلحة حقن الدماء وتوحيد الصف مقصدًا عظيمًا وإن كرهه أصحاب الحسن رضي الله عنه،
ورجع المسلمون لثغورهم وفتوحاتهم، فقد يتنازل المسلم عن حقه لمصلحة أكبر للأمة كلها، وهو ممدوح مأجور عند الله؛
وبالجملة فالغلو قبيح وإذا وصل للخارجية فهو داء سرطاني ينبغي اجتثاثه إذا أمكن ولم يتسبب فيما هو أكبر منه، وكلما استطاع المرء تطويق الفتن دون إراقة دماء فهو الأفضل وكلما استطاع تحييد المجرمين عن المجموع ثم محاسبتهم على جرائمهم دون تهييج فتن فهو الذي ينبغي؛