الصفحة 104 من 469

وإنما ذكرنا هذا التفسير لما في حديث أنس من تقدير صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ قد يحسب من يسمع هذه الأحاديث أن فيها نوع تناقض أو يتمسك بعض الناس ببعضها دون بعض ويجهل معنى ما تمسك به

وأما ما في حديث أنس المتقدم من قول النبي صلى الله عليه و سلم لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ففيه نهي النبي صلى الله عليه و سلم عن التشدد في الدين بالزيادة عن المشروع

والتشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه في الطيبات وعلل ذلك بأن الذين شددوا على أنفسهم من النصارى شدد الله عليهم لذلك حتى آل الأمر إلى ما هم عليه من الرهبانية المبتدعة

وفي هذا تنبيه على كراهة النبي صلى الله عليه و سلم لمثل ما عليه النصارى من الرهبانية المبتدعة وإن كان كثير من عبادنا قد وقعوا في بعض ذلك متأولين معذورين أو غير متأولين ولا معذورين

وفيه أيضا تنبيه على أن التشديد على النفس ابتداء يكون سببا لتشديد آخر يفعله الله إما بالشرع وإما بالقدر

فأما بالشرع فمثل ما كان النبي صلى الله عليه و سلم يخافه في زمانه من زيادة إيجاب أو تحريم كنحو ما خافه لما اجتمعوا لصلاة التراويح معه ولما كانوا يسألون عن أشياء لم تحرم ومثل أن من نذر شيئا من الطاعات وجب عليه فعله وهو منهي عن نفس عقد النذر وكذلك الكفارات الواجبة بأسباب

وأما القدر فكثيرا ما قد رأينا وسمعنا من كان يتنطع في أشياء فيبتلى أيضا بأسباب تشدد الأمور عليه في الإيجاب والتحريم مثل كثير من الموسوسين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت