فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 344

لكن ما كان يكفر أعيانهم، فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به، والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط، والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقبه، ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية: (إن القرآن مخلوق) ، و (إن الله لا يرى في الآخرة وغير ذلك) ، ويدعون الناس إلى ذلك، ويمتحنونهم، ويعاقبونهم، إذا لم يجيبوهم، ويكفرون من لم يجبهم.

حتى أنهم كانوا إذا أمسكوا الأسير لم يطلقوه حتى يقر بقول الجهمية: (إن القرآن مخلوق) ، وغير ذلك، ولا يولون متوليًا، ولا يعطون رزقًا من بيت المال، إلا لمن يقول ذلك، ومع هذا فالإمام أحمد-رحمه الله تعالى-ترحم عليهم، واستغفر لهم، لعلمه بأنهم لمن-لعل: لم-يبين لهم: أنهم مكذبون للرسول-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-، ولا جاحدون لِمَا جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا، وقلدوا من قال لهم ذلك ... ).

ويقول-رحمه الله تعالى- أيضًا-في: (مجموع الفتاوى) (12/ 180) :(وأما"التكفير": فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-وقصد الحق فأخطأ: لم يكفر؛ بل: يغفر له خطؤه، ومن تبين له ما جاء به الرسول فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين: فهو كافر.

ومن اتبع هواه وقصر في طلب الحق وتكلم بلا علم: فهو عاص مذنب.

ثم قد يكون فاسقًا وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته. فـ"التكفير"يختلف بحسب اختلاف حال الشخص فليس كل مخطئ ولا مبتدع ولا جاهل ولا ضال يكون كافرًا) .

بل قال ابن حزم-رحمه الله تعالى- في: (الفصل في الملل والأهواء والنحل) (3/ 139) :(وكذلك من قال: إن ربه جسم من الأجسام، فإنه إن كان جاهلًا، أو: متأولًا فهو معذور لا شيء عليه، ويجب تعليمه، فإذا قامت عليه الحجة من القرآن والسنن، فخالف ما فيهما عنادًا، فهو كافر، يحكم عليه بحكم المرتد.

وأما من قال: إن الله عز وجل هو فلان، لإنسان بعينه، أو: أن الله تعالى يحل في جسم من أجسام خلقه، أو: أن بعد محمد-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-نبيًا غير عيسى ابن مريم، فإنه لا يختلف اثنان في تكفيره لصحة قيام الحجة بكل هذا على كل أحد، ولو أمكن أن يوجد أحد يدين بهذا لم يبلغه قط خلافه لما وجب تكفيره حتى تقوم عليه الحجة).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت