فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 344

مفصلة، ولهذا تُقِرُّ الأمةُ مَن يُفصلها على الإطلاق وهم الفقهاء، وإن كان قد يُنكر على مَن يتكلم في تفصيل الجمل القولية، للحاجة الداعية إلى تفصيل الأعمال الواجبة، وعدم الحاجة إلى تفصيل الجمل التي وجب الإيمان بها مجملة).

وعلل-رحمه الله تعالى-عدم تأثيم المجتهد إذا أخطأ في مسائل أصولية أو فرعية بقوله: (ليس كل مَن اجتهد واستدل يتمكن من معرفة الحق، ولا يستحق الوعيد إلا مَن ترك مأمورًا، أو: فعل محظورًا، وهذا قول الفقهاء والأئمة، وهو القول المعروف عن سلف الأمة، وقول جمهور المسلمين) .

لكنه يُفَرِّقُ بين خطأين: خطأ مؤاخذ عليه، وخطأ مغفور له، فيقول: (مَن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلًا، أو: لتعديه حدود الله، بسلوك السبيل التي نُهي عنها، أو: لاتباع هواه بغير هدىً من الله، فهو الظالم لنفسه، وهو من أهل الوعيد، بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطنًا وظاهرًا، الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله، فهذا مغفور له خطؤه، كما قال تعالى:(آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا ... ) -إلى قوله-: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) (سورة البقرة، رقم الآية: 285/ 286) ، وقد ثبت في: (صحيح مسلم) ، عن النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه و سلم-أن الله قال: (قد فعلتُ) .

وكذلك ثبت فيه من حديث ابن عباس-رضي الله عنهما-: (أن النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه و سلم-لم يقرأ بحرف من هاتين الآيتين ومن سورة الفاتحة إلا أعطي ذلك) ، فهذا يبين استجابة هذا الدعاء للنبي والمؤمنين، وأن الله لا يؤاخذهم إن نسوا أو: أخطأوا).

وإذا كان خطأ المجتهد من علماء المسلمين مغفورًا له، فإنه لا يجوز تكفير أحد منهم بمجرد الخطأ، بل: ولا يُفَسّق ولا يُؤثم، وفي هذا الشأن يقول شيخ الإسلام: (إن علماء المسلمين المتكلمين في الدنيا باجتهادهم، لا يجوز تكفير أحدهم بمجرد خطأ أخطأه في كلامه ... فإن تسليط الجهال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات، وإنما أصل هذا من الخوارج والروافض، الذين يكفّرون أئمة المسلمين، لما يعتقدون أنهم أخطأوا فيه من الدين، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض، بل كل أحد يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه و سلم-وليس كُل مَن يُترك بعضُ كلامِه لخطأ أخطأه، يكفر، ولا يفسق، بل: ولا يأثم، فإن الله تعالى قال في دعاء المؤمنين:(ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) (سورة البقرة، رقم الآية: 286) ، وفي: (الصحيح) عن النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه و سلم-قال: (إن الله قال: قد فعلتُ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت