فهرس الكتاب
ففهم نصوص الوحي على غير المقصود نوع من أنواع الجهل، وهو وجه من التأويل الذي يدخل في موانع التكفير، فالمتأول للنص الشرعي على غير الوجه الصحيح جاهل بالمراد منه، هذا ما كان تأويله سائغًا، وهذا الأمر ناتج عن قصور في فهم النصوص الشرعية بعد بذل الوسع، فكان من هذا الوجه فوق الاستطاعة وقد مر معنا أن الفهم شرط في التكليف، فتنبه بارك الله فيك.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى-: (ومن الموانع أيضًا أن يكون له شبهة تأويل في المكفر بحيث يظن أنه على حق؛ لأن هذا لم يتعمد الإثم والمخالفة فيكون داخلًا في قوله -تعالى-: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] .
ولأن هذا غاية جهده فيكون داخلًا في قوله -تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .
قال في: (المغني) (8/ 131) :"وإن استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل فكذلك -يعني يكون كافرًا-وإن كان بتأويل كالخوارج فقد ذكرنا أن أكثر الفقهاء لم يحكموا بكفرهم مع استحلالهم دماء المسلمين، وأموالهم، وفعلهم ذلك متقربين به إلى الله- تعالى-إلى أن قال-: وقد عرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة ومن بعدهم واستحلال دمائهم، وأموالهم، واعتقادهم التقرب بقتلهم إلى ربهم، ومع هذا لم يحكم الفقهاء بكفرهم لتأويلهم، وكذلك يخرج في كل محرم استحل بتأويل مثل هذا".
وفي: (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية) (13/ 30) : (وبدعة الخوارج إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب"وفي:(ص:210) منه:"فإن الخوارج خالفوا السنة التي أمر القرآن باتباعها وكفروا المؤمنين الذين أمر القرآن بموالاتهم، وصاروا يتبعون المتشابه من القرآن فيتأولونه على غير تأويله من غير معرفة منهم بمعناه ولا رسوخ في العلم، ولا اتباع للسنة، ولا مراجعة لجماعة المسلمين الذين يفهمون القرآن"."
وقال أيضًا في: (مجموع الفتاوى) (28/ 518) : (فإن الأئمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم، وإنما تنازعوا في تكفيرهم على قولين مشهورين) .
لكنه ذكر في: (7/ 217) :"أنه لم يكن في الصحابة من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل: حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع".
وفي: (28/ 518) :"أن هذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره".