فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 344

قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-: (فإن قدامة بن مظعون شربها هو وطائفة وتأولوا قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [1] فلما ذكر ذلك لعمر بن الخطاب، اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على استحلالها قتلوا.

وقال عمرلقدامة: (أخطأت استك الحفرة) ، أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر؛ وذلك أن هذه الآية نزلت بسبب: أن الله سبحانه لما حرم الخمر-وكان تحريمها بعد وقعة أحد- قال بعض الصحابة: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟، فأنزل الله هذه الآية يبين فيها أن من طعم الشيء في الحال التي لم تحرم فيها فلا جناح عليه إذا كان من المؤمنين المتقين المصلحين) [2] .

فهؤلاء عرب أقحاح سمعوا الوحي غضًا طريًا، ومع هذا لم يفهموا المراد من الآية، بل: وتأولوها على غير الوجه الصحيح، فلم يكفروا لهذا المانع، فمن دونهم أولى بالعذر كأهل القرون النازلة ممن لا يفهم العربية إذا سمعها بل وقد يكون أميا لا يقرأ ...

والأمثلة على هذا كثيرة ذكرنا منها ما كان من عدي بن حاتم وتأويله الخاطئ لقوله تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} [3] وغير هذا من الأمثلة ...

قال ابن حزم-رحمه الله تعالى-: (ومن بلغه الأمر عن رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-من طريق ثابتة وهو مسلم، فتأول في خلافه إياه، أو رد ما بلغه بنص آخر، فلما لم تقم عليه الحجة في خطئه في ترك ما ترك، وفي الأخذ بما أخذ، فهو مأجور معذور، لقصده إلى الحق، وجهله به، وإن قامت عليه الحجة في ذلك، فعاند فلا تأويل بعد قيام الحجة" [4] ."

وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-يعلق على صنيع ابن عباس-رضي الله عنهما-ومن تابعه على صنيعه في استحلال بيع الصاعين بالصاع، إذا كان يدًا بيد، فقال-رحمه الله تعالى-: (هم من صفوة الأمة علمًا وعملًا، لا يحل لمسلم أن يعتقد أن أحدًا منهم بعينه، أو: من قلده بحيث يجوز تقليده، تبلغهم لعنة آكل الربا، لأنهم فعلوا ذلك متأولين تأويلًا سائغًا في الجملة) [5] .

(1) - سورة المائدة 93.

(2) -انظر: (مجموع الفتاوى) (11/ 403/404) .

(3) -سورة البقرة، رقم الآية: (187) .

(4) -انظر: (الدرة فيما يجب اعتقاده) لابن حزم (ص:414) .

(5) - سورة المائدة 106.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت