فهرس الكتاب
أطعنا رسولَ الله ما دام بيننا * فيا عجبًا ما بال مُلْكِ أبي بكر؟!
وإنَّ الذي سألوكم فَمَنَعْتُم * لَكَالتَّمْر أو: أحلى لديهم من التمرِ
سَنَمْنَعُهُمْ ما دام فينا بَقِيَّةٌ * كِرَامًا على الْعَرَاء في ساعةِ العسرِ
قلت: وفي أمر هؤلاء عَرَضَ الخلاف ووقعت الشبهة لعمر-رضي الله تعالى عنه-فراجع أبا بكر-رضي الله تعالى عنه-وناظره واحتج عليه بقول النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إلّه إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم نفسه وماله) .
وكان هذا من عمر-رضي الله تعالى عنه-تعلقًا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره، ويتأمل شرائطه، فقال له أبو بكر-رضي الله تعالى عنه-: (إن الزكاة حق المال) ، يريد: أن القضية التي قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بإيفاء شرائطها والحكم المعلق بشرطين لا يجب بأحدهما والاخر معدوم، ثم قايسه بالصلاة، ورد الزكاة إليها، فكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعًا من رأي الصحابة، ولذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه، فاجتمع في هذه القضية الاحتجاج من عمر بالعموم، ومن أبي بكر بالقياس، ودل ذلك على أن العموم يخص بالقياس، وأن جميع ما يتضمنه الخطاب الوارد في الحكم الواحد من شرط واستثناء مراعى فيه ومعتبر صحته به، فلما استقر عمر-رضي الله تعالى عنه-صحة رأي أبي بكر-رضي الله تعالى عنه-وبان له صوابه، تابعه على قتال القوم، وهومعنى قوله: (فلما رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر عرفت أنه الحق) ، يشير إلى انشراح صدره بالحجة التي أدلى بها والبرهان الذي أقامه نصًا ودلالة.
وقد زعم قوم من الروافض: أن عمر-رضي الله تعالى عنه-إنما أراد بهذا القول تقليد أبي بكر-رضي الله تعالى عنه-وأنه كان يعتقد له العصمة والبراءة من الخطأ، وليس ذلك كما زعموه، وإنما وجهه ما أوضحته لك وبينته.
وزعم زاعمون منهم: أن أبا بكر-رضي الله تعالى عنه-أول من سمى المسلمين كفارًا، وأن القوم كانوا متأولين في منع الصدقة، وكانوا يزعمون أن الخطاب في قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) (سورة التوبة، رقم الآية:103) خطاب خاص في مواجهة النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه