فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 344

فإن قيل: كيف تأولتَ أمر هذه الطائفة التي منعت الزكاة على الوجه الذي ذهبت إليه وجعلتهم أهل بغي؟ أرأيت إن أنكرتْ طائفة من أهل المسلمين في زماننا فرض الزكاة وامتنعوا من أدائها إلى الإمام، هل يكون حكمهم حكم أهل البغي؟ قيل: لا، فإن من أنكر فرض الزكاة في هذا الزمان كان كافرًا بإجماع المسلمين.

والفرق بين هؤلاء وبين أولئك القوم أنهم إنما عذروا فيما كان منهم حتى صار قتال المسلمين إياهم على استخراج الحق منهم دون القصد إلى دمائهم لأسباب وأمور لا يحدث مثلها في هذا الزمان.

منها: قرب العهد بزمان الشريعة التي كان يقع فيها تبديل الأحكام.

ومنها: وقوع الفترة بموت النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-وكان القوم جهالًا بأمور الدين وكان عهدهم حديثًا بالإسلام فدخلتهم الشبهة، فعذروا كما عذر بعض من تأول من الصحابة في استباحة شرب الخمر قوله تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا) (سورة المائدة، رقم الآية:93) ، فقالوا: نحن نشربها ونؤمن بالله ونعمل الصالحات ونتقي ونصلح-أو: نحسن.

فأما اليوم فقد شاع دين الإسلام واستفاض علم وجوب الزكاة حتى عرفه الخاص والعام، واشترك فيه العالم والجاهل، فلا يعذر أحد بتأويل يتأول في إنكارها.

وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئًا مما أجمعت عليه الأمة من أمور الدين إذا كان علمه منتشرًا، كالصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنا، والخمر، ونكاح ذوات المحارم في نحوها من الأحكام، إلا أن يكون رجل حديثَ عهد بالإسلام لا يعرف حدوده، فإذا أنكر شيئًا منه جهلًا به لم يكفر، وكان سبيله سبيلَ أولئك القوم في تبقية اسم الدين عليه.

فأما ما كان الإجماع فيه معلومًا من طريق علم الخاصة، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأنَّ قاتل العمد لا يرث، وأن للجدة السدس، وما أشبه ذلك من الأحكام، فإن من أنكرها لا يكفر، بل: يعذر فيها، لعدم استفاضة علمها في العامة وتفرد الخاصة بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت