فهرس الكتاب
وأما معنى الحديث وما فيه من الفقه، فمعلوم أن المراد بقوله: (حتى يقولوا لا إلّه إلا الله) ، إنما هم أهل الأوثان دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون: (لا إله إلا الله) ، ثم إنهم يُقاتَلون ولا يرفع عنهم السيف.
وقوله: (وحسابهم على الله) ، معناه: فيما يستسرون به دون ما يُخِلُّون به من الأحكام الواجبة عليهم في الظاهر.
وفيه دليل أن الكافرَ الْمُسْتَسِرَّ بكفره لا يتعرض له إذا كان ظاهره الإسلام، ويقبل توبته إذا أظهر الإنابة من كفر علم بإقراره أنه كان يَسْتَسِرُّ به وهو قول أكثر العلماء).
وقال الإمام أبو العباس أحمد القرطبي في: (المفهم لما أَشكل من تلخيص مسلم) (1/ 185/187) : ( ... وهذا الصنف الثالث: هو الذين أشكل أمرُهم على عمر، فباحَثَ أبا بكر في ذلك، حتى ظهر له الحقُّ الذي كان ظاهرًا لأبي بكر، فوافقه على ذلك، ولذلك قال:"فوالله ما هو إلا أن رأيتُ اللهَ قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفتُ أنه الحق) ، أي: ظهر له من الدليل، وحصل له من ثلج الصدر، وانشراحه لذلك، مثل الذي حصل لأبي بكر، لأنه قلده واتَّبعه بعد ظهور الدليل، لأن التقليدَ لا ينشرح به الصدر، ولا يُعرف به الحقُّ، ولأنه لا يجوز لمجتهدٍ أن يقلد مجتهدًا عند تمكنه من الاجتهاد، كما بينَّاه في: (أصول الفقه) ، ثم إن أبا بكر قاتلَ جميعَ المرتدين الثلاثة الأصناف، وسبى ذراريهم."
قال القاضي: وحَكَم فيهم بحكم الناقضين للعهد، فلما تُوفي أبو بكر وَوُلِّيَ عمر ردَّ عليهم سبيَهم، وحكم عليهم بحكم المرتدين، وكان أبو بكر يرى سبيَ أولاد المرتدين، وبذلك قال أصبغ بن الفرج من أصحابنا، وكان عمر يرى أنهم لا يُسبَوْن، ولذلك ردَّ سبيَهم، وبهذا قال جمهور العلماء، وأئمة التقوى.
إلى أن قال: ويحصل من قضية أبي بكر وعمر: أن سبيَ أولادِ المرتدين لم يكن مُجْمَعًا عليه، وأن عمر إنما وافق أبا بكر ظاهرًا وباطنًا على قتال الجميع لا غير، وأما سبي الذراري فلم يوافقه عليه عمر باطنًا، لكنه ترك العمل بما ظهر له، والفتيا به، لما يجب عليه من طاعة الإمام وموافقته، فلما وُلِّيَ عمل بما كان عنده، هذا هو الظاهر من حال عمر، ولا يجوز أن يقال: إنه كان قد ظهر له من جواز السبي ما ظهر لأبي بكر ثم تغير اجتهاده، لأن ذلك يلزم منه خرق إجماع الصحابة السابق، فإنهم كانوا قد أجمعوا مع أبي بكر على السبي، وعملوا بذلك من غير مخالفة ظهرتْ من أحدٍ منهم، ولا إنكار ظاهر، غير أنهم منقسمون في ذلك إلى من ظهر له جواز ذلك فسكت لذلك.