فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 54

وأنا إذ نفيت عن الإمام الترمذي رحمه الله دعوى التساهل لا أقول عنه إنه بمنزلة الأئمة الكبار كأحمد وابن معين ويحيى بن سعيد القطان، وعلي بن المديني، والبخاري، ونحو هؤلاء فإنهم أعلم منه وأقعد منه بهذا الفن كما هو معلوم عند أهل الحديث، والله أعلم.

وأما المقام الثالث: فإن السقاف قال:"إن تضعيف هؤلاء الحفاظ الذين ذكرناهم وهم جهابذة أهل الحديث الذين حكموا على الحديث بأنه منكر وموضوع وغير ذلك مقدم على تحسين الترمذي أو تصحيحه".

فالكلام معه من وجوه:

الوجه الأول: أن السقاف لم يذكر أحدًا ممن قدّم ذكرهم وهم ابن الجوزي، والبيهقي، والذهبي، والسيوطي يساوي الترمذي في العم فضلًا عن أن يكون أعلم منه ويجعل قوله حجة على قول الترمذي فإذا كان كذلك فلا يجوز أن يقال إن قولهم أو قول واحد منهم مقدم على قول الترمذي إلا مع ذكر البينات ودون ذلك خرط القتاد.

الوجه الثاني: تقدم أن السقاف كذب على ابن الجوزي والذهبي والبيهقي والسيوطي وادعى عليهم أنهم ضعَّفوا الحديث وليس الأمر كما ادعى فإنهم ضعفوا حديث:"رأيت ربي جعدًا أمرد ...". ولم يضعفوا حديث:"رأيت ربي في أحسن صورة فقال لي فيم يختصم الملأ الأعلى".

فدعوى السقاف أن هؤلاء هم جهابذة أهل الحديث ومع ذلك حكموا عليه بأنه منكر وموضوع لم تثبت إنما هو نقل مكذوب محرف مع أن السقاف بالغ في وصفه لهم وظن أن ذلك سوف ينفعه، أولا يعلم السقاف وغيره ممن يضعف الحديث أن جهابذة أهل الحديث الذين هم جهابذته حقًا، قووا الحديث كالإمام أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم بالنقول المصدقة لا المكذوبة المحرفة كما يصنع ذلك أهل الأهواء الذين يكذبون ويحرفون لترويج باطلهم.

الوجه الثالث: لو سلمنا أن هؤلاء الذين ذكرهم السقاف ضعفوا الحديث وثبت ذلك عنهم بالنقل الصحيح لا المكذوب وأنهم جهابذة أهل الحديث فلا يلزم من ذلك تقديم قولهم على قول الترمذي من غير بينة ولا برهان ولا حجة ظاهرة.

فمجرد القول بأن فلانًا أعلم من فلان لا يدل على أن قول الأول هو الحق، وقول الآخر باطل إلا إذا أدلى بحججه وبراهينه وليس عند الآخر شيء من ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت