ولهذا السبب-وغيرها من الأسباب-ندم كثير من العلماء على بعض كتبهم، وتمنوا أنهم لم يستعجلوا في نشرها وبثها بين الناس، ومن هؤلاء:
1 -المبرد فقد ألف كتابًا يرد فيه على سيبويه-إمام النحاة-أسماه: (مسائل الغلط) ، ولما تقدم به السنُّ اعتذر من ذلك وندم، وكتب في مقدمة كتابه: (المقتضب) -كما في: (الخصائص) (1/ 207) : (هذا شيء كنا رأيناه في أيام الحداثة، فأما الآن فلا) .
2 -ما جاء في ترجمة الفقيه المالكي عبد الحق بن محمد الصقلي (466 هـ) أنه ندم على أول كتاب ألفه، وتغيرت نظرته إليه، فتولاه بالتغيير، ورجع عن كثير من اختياراته وتعليلاته، وكان يقول: (لو قدرت على جمعه وإخفائه لفعلت) .
والشأن في هذا كما قال الخطيب-فيما نقله عنه الحافظ الذهبي في: (السير) (18/ 281) ، وفي: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (1/ 183/رقم:61) -أن من صنَّف تصنيفًا، أو: قال شعرًا: (فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس) .
وقد رجع الإمام الشافعي-وهو من هو في العلم والفضل إلى قول آخر ظهر له، فسموه: بـ (المذهب الجديد) .
ورجع الإمام مالك إلى قول ابن وهب في تخليل أصابع القدمين، لما سمع رواية في ذلك: ذكرها الحميدي في: (جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس) (1/ 155) ، والحافظ ابن عبد البر في: (التمهيد) (24/ 258) ، و (الاستذكار) (1/ 180) ، وعنهما القاضي محمد عبد الرحمن بن السالك في: (عون المحتسب فيما يعتمد من كتب المذهب) (ص:24/ 25) بلفظ: (وقد سأل عبد الله بن وهب الإمام مالكًا هل عنده سنةٌ في تخليل أصابع الرجلين؟ فقال له: لا، فقال له ابن وهب: عندي فيه سنة، فقال له مالك: وما هي؟ فأملى عليه ابن وهب الحديث.