الصفحة 12 من 176

في حياته العائلية قبل البعثة نجده يتيمًا يسترضع في بني سعد، ويفقد أبويه تباعًا، ويحتضنه جده عبد المطلب حضانة العزيز المتمكن، وبوفاته يوصي به لأبي طالب، ويتزوج وهو فتى في الخامسة والعشرين من عمره من السيدة العربية خديجة بنت خويلد، وكان زواجًا ناجحا في حياة عائلية سعيدة، تكّد وتكدح في تجارة تتأرجح بين الربح والخسران، وفجأة الوحي الحق، والتجأ إلى خديجة، تزمله آنًا، وتدثره آنًا آخر.

وينهض النبي 6 في دعوته، فتجد الدعوة مكذبين ومصدقين، وتقف قريش بكبريائها وجبروتها في صدر الدعوة، ويلقى الأذى والعنت من قومه وعشيرته الأقربين، وفي حمأة الأحداث يموت كافله وزوجته في عام واحد، فيكون عليه عام الأحزان، فلا اليد التي قدمت المال للرسالة، ولا الساعد الذي آوى وحامى، ويوحى إليه بالهجرة، فتمثل حدثًا عالميًا فيما بعد.

هذه لمحات يذكرها كل من يترجم للنبي 6 يطيل بها البعض، ويوجز البعض الآخر، وليست كل شيء في حياة النبي، فقد تكون غيضًا من فيض.

ولست في صدد تأريخية هذه الأحداث، ولا بسبيل برمجتها، لألقي عليها ظلالًا مكثفة من البحث، ولكنها لمسات تمهيدية تستدعي الإشارة فحسب.

ومهما يكن من أمر، فقد تبقى طريقة النبي 6 المنهجية في التوفيق بين واجباته الروحية ومهماته القيادية من جهة، وبين حياته العامة ومساره الدنيوي من جهة ثانية، لا تجد تأريخًا يمثل بدقة ووضوح تأمين المنهج الرئيسي الذي اختطه لنفسه هذا القائد العظيم وهو في مكة المكرمة.

في المدينة المنورة حيث العدد والعدة، والنصرة والفداء، نلمس إيحاء قرآنيًا بنقطتين مهمتين:

الأولى: مواجهته للمنافقين وتحركهم جهرة وخفاء، وتذبذبهم إزاء الرسالة بين الشك المتمادي، والتصديق الكاذب، يصافحون أهل الكتاب تارة، ويوالون مشركي مكة تارة أخرى، حتى ضاق بهم ذرعا، ونهاهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت