الصفحة 131 من 176

وبقي الرسم العثماني للمصحف هو الأساس في خط المصحف الكريم قديمًا وحديثًا، فحينما تطورت عملية الكتابة، وتبلور فن الخط، لم يفقد ذلك الأساس أهميته على الإطلاق، إذ ظل المنار الهادي لدى أغلب خطاطي مختلف العصور، نظرًا لاكتمال الصورة الأولى للمصحف، وإن انتقل الشكل في العموم من الخط الكوفي إلى الخط النسخي المعروف.

«وتوجد الآن في مكتبات العالم مجموعة كبيرة من المصاحف المخطوطة القديمة أو قطع منها، بعضها مكتوب على الرق، وبالخط الكوفي القديم، مجردة من النقط والشكل، ومن كثير مما ألحق بالمصاحف من أسماء السور وعدد آياتها وغير ذلك بحيث تبدو أقرب إلى الصورة التي كانت عليه المصاحف الأولى» (1) .

وقد شاهدت كثيرًا من هذه الآثار المصحفية في المتحف البريطاني في لندن، مصونة ومحافظا عليها، بعناية أثارية فائقة، وبحواجز زجاجية محكمة، لا تصل إليها يد الناظر، وقد أشير ببعضها إلى تواريخ قديمة قد يرجع قسم منها إلى القرون الأولى، ولا نعلم مدى توثيقها.

أما الرسم المصحفي الأول للقرآن، أعني كتابته على الكتبة الأولى، فقد جاء دور الحديث عنه، وأول ما نفجأ به، هو الهالة الكبرى من التقديس لهذا الرسم مما يضفي شيئًا كثيرًا من المغالاة التي لا مسوغ إليها في أغلب الأحيان، وإنا وإن كنا لا نعارض تبجيله والاعتداد به، ولكننا نعارض الغلو في شأنه، ويبدو أن هذا الغلو والتقديس، وما صاحب ذلك من هالات، ما هو إلا تعبير عملي عن احترام جيل الصحابة الذين كتبوا المصحف عند توحيد القراءة، وإن كانت تلك الكتابة مخالفة لأصول الإملاء، وقواعد الخط، إذ الكتابة تصوير لنطق اللفظ، والعبرة بنطق ذلك اللفظ، لا بتصويره، والتطرف في إضفاء صفة التقديس على الكتبة الاولى،

(1) نقل هذا النص غانم قدوري، عن جولد تسهير وغيره، ظ: محاضرات في علوم القرآن: 93، وانظر مصادره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت