وكلامه، كما يقتفى لهذا العهد خط ولي أو عالم تبركا، ويتبع رسمه خطأ أو صوابًا.
وأين نسبة ذلك من الصحابة فيما كتبوه، فاتبع ذلك وأثبت رسمًا، ونبه علماء الرسم على مواضعه. ولا تلتفتن في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفلين من أنهم كانوا محكمين لصناعة الخط، وأن ما يتخيل من مخالفته خطوطهم لأصول الرسم كما يتخيل، بل لكلها وجه، وما حملهم على ذلك إلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيها للصحابة رضوان الله عليهم، عن توهم النقص في قلة إجادة الخط، وحسبوا أن الخط كمال، فنزهوهم عن قصه، ونسبوا إليهم الكمال بإجادته، وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة عن رسمه وليس ذلك بصحيح.
واعلم أن الخط ليس بكمال في حقهم، إذ الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية، والكمال في الصنائع إضافي وليس بكمال مطلق، إذ لا يعود نقصه على الذات في الدين، ولا في الخلال. وإنما يعود على أسباب المعاش، وبحسب العمران والتعاون عليه، لأجل دلالته على ما في النفوس.
ولقد كان 6 أميًا، وكان ذلك كمالا في حقه، وبالنسبة إلى مقامه، لشرفه وتنزهه عن الصنائع العملية التي هي أسباب المعاش والعمران كلها. وليست الأمية كمالا في حقنا نحن، إذ هو منقطع إلى ربه، ونحن متعاونون على الحياة الدنيا» (1) .
ورأي ابن خلدون واضح الأبعاد في إلقاء التبعة على من يتصور أن الخط كمال مطلق في حد ذاته، وإن فقدانه يشكل نقصا جليا، وعيبا لا يطاق، وصوبوا في كتابته من أخطأ، وليس الأمر كذلك، فالإخلال ببعض قواعد الخط، وجملة من أصول الإملاء ليس نقصا بحقهم، بل هي الطاقة وجهد المقدور، والتعظيم لمنزلة الصحابة لا يعني أن نغض الطرف عن خطأ هجائي وأصل إملائي فمنزلتهم شيء، وحقائق الأمور شيء آخر،
(1) ابن خلدون، المقدمة: 350. طبعة بولاق.