الصفحة 135 من 176

القرآني بعد أن ورد عن رسول الله 6 قوله: «نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» (1) .

فكتابة المصحف إذن كانت في ضوء ما ألفوه من الهجاء، واعتادوه من الرسم، وذلك قصارى جهدهم، وما ورد فيها من منافيات أصول الخط، لا يتعارض مع أصول المعاني ومداليل الألفاظ، فالإملاء لا يغير نطقًا، ولا يحرف معنى.

الرابع: ليس من المنطق العلمي ولا من المنهج الموضوعي ان نقارن ـ ولو بوجه ضئيل ـ بين الرسم المصحفي الذي كتبه بشر، وبين أوائل السور القرآنية ذات الحروف المقطعة التي قام الإجماع والتواتر على أنها من الوحي الإلهي والنص القرآني، وللعلماء فيها آراء واجتهادات، وفي مضامينها روايات وأخبار، وفي عرضها رموز وإشارات، وليس هذا موضع بحثها فلسنا بصددها، إلا أنها من القرآن المعجز، وليس الرسم المصحفي من الإعجاز في شيء وإنما هو يخضع لمدى ما يحسن الكاتب، وأين التحدي من السماء بالإعجاز إلى الصنعة الأرضية التي تتفاوت جودة وضعفا وإتقانا.

وقد حقق عبد الرحمن بن خلدون (ت: 808 ه‍) في قضية الرسم القرآني، وألقى مزيدا من الأضواء الكاشفة، على فكرة التعصب للرسم العثماني، وانتهى من فلسفة القول في الخط عند العرب بعامة فقال:

«وكان خط العرب لأول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الأحكام والإتقان والإجادة، ولا إلى التوسط، لمكان العرب من البداوة والتوحش، وبعدهم عن الصنائع. انظر ما وقع لأجل ذلك في رسمهم المصحف، حيث رسمه الصحابة بخطوطهم، وكانت غير محكمة الإجادة، فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم الصناعة الخط عند أهلها.

ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها تبركا بما رسمه أصحاب رسول الله 6 وخير الخلق من بعده، المتلقون لوحيه من كتاب الله

(1) أبو شامة، المرشد الوجيز: 132.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت