الصفحة 18 من 176

هذا: فهو مغاير لمفهوم الوحي وطريقته اللذين خاطب الله بهما رسله، وعلمهم من خلالهما، مع استقلال في شخصية الوحي، بعيدة عن مراتب الفراسة والتجانس الروحي، واستقلال في المتلقي بعيد عن الاستنتاج الذاتي، أو التعبير المطلق بكل صوره.

إن عملية الوحي الإلهي إنما تخضع لتصور حوار علوي بين ذاتين: «ذات متكلمة آمرة معطية، وذات مخاطبة مأمورة متلقية» (1) .

ولم تتشاكل في مظهر من مظاهر الوحي وظاهرته، الذات المتكلمة، والذات المخاطبة في قالب واحد، ولم يتحدا في صورة واحدة على الإطلاق، فهما متغايران.

إن ظاهرة الوحي الإلهي ظاهرة مرئية ومسموعة، ولكنها خاصة بالنبي 6 وحده، فما اتفق ولو مرة واحدة، أن سمع أصحابه صوت الوحي، ولا حدث أن رأوا هذا الكائن الموحي، ومع هذا فقد أدركوا صحة ما نزل عليه، وصدق ما أوحي إليه، بدلائل الإعجاز، وقرائن الأهوال، واعتبارات الاختصاص، فالنفس الإنسانية، وإن كانت واحدة في الأصل والجوهر، ولكنها تختلف شفافية كما تختلف تخويلًا من قبل الله تعالى، فالنبي 6 يرى ويسمع ويعي ما حوله من الظاهرة بيقين مرئي مشاهد، ومن حوله لا يرون ولا يسمعون ولكنهم يصدقون ويؤمنون.

وربما قيل أن ما يتلقاه النبي 6 من الروح الأمين وهو رسول الوحي: «هو نفسه الشريفة من غير مشاركة الحواس الظاهرة، التي هي الأدوات المستعملة في إدراك الأمور الجزئية، فكان 6 يرى ويسمع حينما يوحى إليه من غير أن يستعمل حاستي البصر والسمع ... فكان 6 يرى الشخص، ويسمع الصوت مثل ما نرى الشخص ونسمع الصوت غير أنه ما كان يستخدم حاستي بصره وسمعه الماديتين كما نستخدمهما، ولو كانت رؤيته وسمعه بالبصر والسمع الماديين لكان ما يجده مشتركًا بينه وبين غيره، فكان سائر الناس يرون ما يراه، ويسمعون ما يسمع، والنقل القطعي يكذب

(1) ظ: مالك بن نبي، الظاهرة القرآنية: 194 + صبحي الصالح، مباحث في علوم القرآن: 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت