الصفحة 19 من 176

ذلك، فكثيرا ما كانت تأخذه برحاء الوحي، وهو بين الناس، فيوحى إليه، ومن حوله لا يشعرون بشيء، ولا يشاهدون شخصا يكلمه» (1) .

وقد يفسر هذا بأنه ظاهرة ذاتية، ولكن عمى الألوان (2) ـ مثلًا ـ يقدم لنا حالة نموذجية، لا يمكن في ضوئها أن ترى بعض الألوان بالنسبة لكل العيون.

«هناك مجموعة من الإشعاعات الضوئية دون الضوء الأحمر، وفوق الضوء البنفسجي لا تراها أعيننا، ولا شيء يثبت علميًا أنها كذلك بالنسبة لجميع العيون، فلقد توجد عيون يمكن أن تكون أقل أو أكثر حساسية أمام تلك الأشعة، كما يحدث في حالة الخلية الضوئية الكهربية» (3) .

وهذا مطرد بالنسبة للبصر المادي المتفاوت، أما على التفسير الأول، فينتفي الأشكال جملة وتفصيلًا، فهو من باب الأولى.

ولقد توصل النبي 6 إلى اليقين القطعي بصدق الرؤية والسمع عند حدوث ظاهرة الوحي طيلة ثلاثة وعشرين عامًا، وكان لذلك إمارات خارجية تبدو على وجهه وعينه وجبينه، من شجوب أو احتقان أو تصبب عرق، وقد يرافق ذلك دوي بجسمه أو أصداء أو أصوات كما تقول الروايات (4) .

ولكن هذه المظاهر لم تمتلك عليه وعيه الكامل، وإحساسه اليقظ، لأنها إمارات خارجية لا تغير من حقيقة شعوره على الإطلاق، فقسمات الوجه، وتعرق الجبين، وشحوب المحيا لا تدل في حالة اعتيادية على تغير في الوعي، أو انعدام للذاكرة، أو فقدان للشعور، وما هي إلا طوارئ عارضة لا تمس الجوهر بشيء.

(1) الطباطبائي، الميزان: 15/ 317 وما بعدها.

(2) عمى الألوان قسمان: كلي وجزئي، فالكلي هو العجز عن التمييز بين الألوان مع بقاء الإحساس البصري سليما من الاضطراب، والجزئي هو العجز عن إدراك لون بعينه، أو عن تمييز ذلك اللون عن غيره. (ط: المعجم الفلسفي: 2/ 108) .

(3) مالك بن نبي، الظاهرة القرآنية: 178.

(4) ظ: ابن سعد، الطبقات الكبرى: 1/ 197 + البخاري، الجامع الصحيح: 1/ 4 + الفتح الرباني: 20/ 212 + فتح الباري: 1/ 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت