الصفحة 91 من 176

بحسم الفتنة وقطع الخلاف. ولو قد كانت الحضارة تقدمت بالمسلمين شيئًا لكان من الممكن أن يحتفظ عثمان بهذه الصحف التي حرقها على أنها نصوص محفوظة لا تتاح للعامة، بل لا تكاد تتاح للخاصة، وإنما هي صحف تحفظ ضنا بها على الضياع. ولكن المسلمين لم يكونوا قد بلغوا في ذلك العصر من الحضارة ما يتيح لهم تنظيم المكتبات وحفظ المحفوظات، وإذا لم يكن على عثمان جناح فيما فعل لا من جهة الدين ولا من جهة السياسة، فقد يكون لنا أن نأسى لتحريق تلك الصحف؛ لأنه إن لم يكن قد أضاع على المسلمين شيئًا من دينهم، فقد أضاع على العلماء والباحثين كثيرًا من العلم بلغات العرب ولهجاتها، على أن الأمر أعظم خطرا وأرفع شأنا من علم العلماء، وبحث الباحثين عن اللغات واللهجات» (1) .

ومهما يكن من رأي حول هذا الموضوع، فإن من المقطوع به أن المصحف العثماني هو النص القرآني الوحيد الذي عليه عمل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وهو الكتاب المقدس الوحيد الذي أحيط بعناية ورعاية خاصة، حتى نقل بالتواتر القطعي جيلا بعد جيل.

ويبدو أن بعض نسخ المصحف العثماني، قد كانت معروفة في القرن الثامن الهجري، فالحافظ ابن كثير (ت: 774 ه‍) يقول:

«أما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله، وقد كان قديمًا بمدينة طبرية ثم نقل منها إلى دمشق في حدود 518 ه‍، وقد رأيته كتابًا عزيزًا جليلًا عظيمًا ضخما بخط حسن مبين قوي، بحبر محكم، في رق أظنه من جلود الإبل» (2) .

قال أبو عبد الله الزنجاني: «ومصحف الشام رآه ابن فضل الله العمري في أواسط القرن الثامن الهجري فهو يقول في وصف مسجد دمشق: (وإلى جانبه الأيسر المصحف العثماني) ويُظن قويًا أن هذا

(1) طه حسين، الفتنة الكبرى: 1/ 183 وما بعدها.

(2) ابن كثير، فضائل القرآن: 49، طبعة المنار، القاهرة 1348 ه‍.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت