فهرس الكتاب
فلو قال قائل: فما المانع من انخراق العادات عمومًا، في الكرامات من غير تقدير اختصاص؟
هذا مما لا يتضح كنه المقصد فيه في أوراق، فإن سمح أدام الله تأييده جمعت فيه كراريس، تشتمل على تحقيق القول في ذلك إن شاء الله.
وأما ما ذكره - أدام الله به الإمتاع - من أن (امتناع انخراق العوائد في غير زمان النبوات، مما لا يدرك العلم به ضرورة) فما وجه ادعاء العلم الضروري في ذلك.
فسبيل التحقيق في ذلك: أن من أخبرنا في دهرنا وعصرنا أنه انقلبت الدجلة في جريتها ذهبًا، أو نزفت أبحر الأرض، أو انقلعت أشجارها، وزعم أن ذلك ظهر وانتشر وذاع واشتهر، فيعلم بضرورة العقل كذبه، والمستريب في كذب المخبر على هذا الوجه لا يعد من أحزاب العقلاء.
ولو أخبر مخبر بأن السقف الذي يظله من فوقه انقلب ذهبًا، وأحاط بذلك أهل التواتر علمًا، يتشكك العاقل في كذب المخبر.
وعلى هذه القاعدة ثبت صدق المخبرين عما شاهدوه تواترًا، إذ اطردت العادة بأن العقلاء مع تبيان أغراضهم وهممهم - لا يطبقون على نقل ما زعموا أنهم شاهدوه وهم فيه مفترون متخرصون، من غير سبب جامع لهم على الكذب، ولم نقدِّر سببًا يجمعهم من قهر وفسق وغيره، لاشتهر في مجرى العادة ذكره، ولتفاوض به الناس.
فلو جاز تقدير انخراق العادة من كل وجه باتفاق أهل التواتر على الكذب - أقرب [إلى] الإمكان من غيض البحار وسيلان دجلة بالذهب عن اشتهار وانتشار.
وهذا يفضي إلى التشكك في الإخبار عن وجود الأنبياء، إذ سبيل التوصل إلى دركه التواتر المستجمع بشرائط مربوطة.
ثم الذي ينبغي للمحصل أن لا يغفل عنه أنّا إذا ادعينا علمًا ضروريا متعلقًا بمجاري العادات، فليس من التحقيق أن يناقش مدعي الضرورة ويطالب بإيضاح ما قاله بقضية الأدلة، إذ الطلب بالأدلة لا مجال لها في الضرورات.