فهرس الكتاب
فنلاحظ أن الله دعا إلى الإحسان إلى اليتامى في سورة إلى الإحسان إليهم في سورة النساء بصيغة المصدر (إحسانًا) ، وفي ذلك دلالة على التأكيد على الإحسان إليهم والاعتناء بهم [1] . وكذلك نلاحظ في هاتين الآيتين الكريمتين أن الله -
سبحانه وتعالى - يوصي بعبادته وحده لا شريك له، ويأمر بالإحسان إلى اليتامى، ويجعله معطوفًا على أحب الناس إلى الإنسان: أبويه وذوي قرباه، والسبب في ذلك لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم ومن ينفق عليهم، فأمر الله بالإحسان إليهم والحنو عليهم. قال الخازن [2] أي: (أحسنوا إلى اليتامى، وإنما أمر بالإحسان عليهم، لأن اليتيم مخصوص بنوعين من العجز، الصغر، وعدم المنفق، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:(أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا أشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئًا ) )
[3] . وقال - صلى الله عليه وسلم: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال: كالقائم الذي لا يفتر، والصائم الذي لا يفطر) [4] . وفي الأمر إلى اليتامى دلالة على النهي عن ضد الإحسان، وهي الإساءة إليه؛ لأن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده (( ) ... وهذه قاعدة من التفسير. انظر: البحر المحيط للزركشي 1/ 230، شرح الكوكب المنير 3/ 51، 54؛ القواعد الحسان، ص 92. &%$، ولا يمكن امتثال الأمر إلا بترك ضده. والعطف والشفقة والرحمة بخلق الله وخصوصًا الضعفاء والمحتاجين
(1) لا ريب أن تكرار الكلام يضفي على المعنى الذي تضمنه أهمية ومكانه توجب
له عناية خاصة وكذلك فيه مزيد العناية به. انظر: الأشباه والنظائر في النحو للسيوطي 3/ 189، تفسير القاسمي 1/ 257.
(2) هو الحسين بن علي بن الحسين، فاضل له شعر وأدب،
كان من أحسن الناس خطًا، كتب نحو وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا القرآن الكريم.
انظر: وفيات الأعيان 1/ 162.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق، باب اللعان، ينظر: صحيح البخاري مع الفتح 9/ 349 ح 5304.
(4) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب الساعي على * وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا أننا إذا أمعنا النظر في هاتين الآيتين نجد اهتمامًا شديدًا بحق
اليتامى، وهذا يظهر واضحًا في ربط الأمر بالإحسان إليهم بعد الأمر بتوحيد الله - عز وجل - في ضمن من أمر تعالى بالإحسان إليهم، وهذا دليل على أن العقيدة لا تكون كاملة في الأمة وبينهم يتيم قد أهملوه وحرموه العطف والحنان، فهذا التصرف
-إهمال اليتيم وحرمانه - لا يحدث إلا عند ضعف العقيدة؛ لأن ضعفها ينشر الأنانية في الأمة ويجعل كل فرد يهتم بمصلحته الخاصة دون النظر إلى حقوق الآخرين. وقد وجه الله - سبحانه وتعالى - الأمر بلفظ الجماعة، وهذا على المسئولية الجماعية في الإسلام، فالجماعة كلها مسئولة عن رعاية الضعفاء، لأنه لا يمكن الادعاء بعدم وجود
من يكفل يتيمًا مسلمًا في المجتمع لوجود ولاة المسلمين الذين علمهم الرسول - × - مسئولية من ولاهم الله عليهم بقوله (من ولاه الله - عز وجل - شيئًا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره) $%& ... أخرجه أبو داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب فيما يلزم الإمام من
أمر الرعية 3/ 135 رقم 2948، والترمذي في سننه، كتاب الأحكام، باب ما جاء في إمام الرعية 3/ 619 ح 1332، والبيهقي 10/ 101 رقم 20045، وصححه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب 2/ 260،وفي صحيحة سنن أبي داود 2/ 569 ح 2555.