فعندما تقع النازلة، يتصدى لها مجتهدو الأمة لبيان حكم الله فيها؛ وإذا كانت هذه النوازل عاريةً عن النصوص الشرعية المباشرة، فإن المجتهد مضطرٌ لاستثمار هذه النصوص، معملًا الأقيسة المرعية والقواعد والمقاصد الشرعية، بل قد يحتاج في استنباطه للحكم الشرعي، لعلوم غير شرعيةٍ أو لعلاماتٍ عرفيةٍ أو لمؤشرات تاريخيةٍ.
وما دام الناس غير منفكين عن التعامل بالأموال استجلابًا للرزق وطلبًا للعيش الكريم، فإنهم معرضون لا محالة للوقوع في صورٍ وحالاتٍ، يحتاجون فيها إلى معرفة حكم الله تعالى في معاملاتهم، حيث ظهرت قضايا جديدةٌ تتطلب تكييفًا فقهيًا ملائمًا؛ لبيان حكمها الشرعي المناسب، وإيجاد الحلول الشرعية المناسبة؛ مما ينادي بإعمال النصوص الشرعية وقواعدها ومقاصدها؛"لئلا يلزم خلو الوقائع عن الأحكام" [1] ؛ لأن النصوص محصورةٌ والوقائع والمستجدات غير متناهيةٍ [2] ، قال الزركشي:"النصوص محصورةٌ، والأحكام الثابتة بها محدودةٌ، ومعاني النصوص لا تتناول أحكام الوقائع المستجدة؛ لأنها محصورةٌ متناهيةٌ، والوقائع المستجدة غير متناهيةٍ، والقياس لا يصح إلا بوجود أصلٍ يقاس عليه، ولم يوجد هذا في الوقائع المستجدة، فيلزم من عدم اعتبار المصالح المرسلة حجة، خلو كثير من الوقائع عن الأحكام، وهذا باطلٌ" [3] .
إن الأصل في المؤسسات المالية الإسلامية أن تعمِد إلى كل ما يخول لها تطبيق الشريعة الإسلامية، وأن تفزع إلى علماء الشريعة ليدلوها على الحق، وقد ترك أئمة الفقه رحمهم الله رصيدًا مهمًا من الفتاوى، أجابوا فيها عن النوازل والمستجدات التي كانت في زمانهم، مستندين إلى الاستنباط من النصوص الشرعية؛ وعلى ذلك نقيس، ونقول إن على علمائنا أن يجدوا لنا حلولًا للحوادث الاقتصادية، مستندين إلى القرآن الكريم، والسنة النبوية، وهو ما سأحاول التطرق إليه في المطلب الآتي.
(1) التقرير والتحبير على تحرير الكمال بن الهمام، لابن أمير حاج، 3/ 241.وأيضًا: تيسير التحرير، لأمير بادشاه، 4/ 105.
(2) شرح مختصر التحرير للفتوحي، لأحمد الحازمي، الدرس 69.
(3) تشنيف المسامع بجمع الجوامع، للزركشي، 3/ 43.