الصفحة 20 من 27

الحال أصبح ضرورةً، سواء كان الحكم القبلي عنه بالجواز، أو بالمنع؛ أقصد أنه حتى من يقول بالمنع، فلا مناص له من التعامل مع القانون وقتئذٍ؛ وهنا نطرح سؤالًا آخر حول صلاحية الفقه للتقنين، ومدى نجاعته في العمل به. فكأننا تكلمنا في سابقا عن تقنين الفقه، وسنتكلم هاهنا عن فقه التقنين، أو عنهما معا.

فما من دولةٍ إسلاميةٍ في هذا العصر إلا ولها قوانين تحكمها، فهل يمكن أن نقول إن التقنين صار مما تعم به البلوى [1] ؟؛ لأن الكل يخضع للقوانين شاء أم أبى؛ فحتى لو لم يرض بها الإنسان لقناعةٍ دينيةٍ أو غير ذلك، فلا يستطيع أن يمتنع عن تطبيق قوانين السير، ولن يتمكن من الفرار من قوانين العمل، أو من المساطر الأسرية، والنصوص الجنائية؛ وعليه، فلما صار التقنين ضرورةً مخالطةً لنا، لم يعد من الأهمية بمكانٍ الكلام عن حكمه الأصلي، بقدر ما أصبح من الأنسب مناقشة هذه القوانين، وإبراز مدى موافقتها للشريعة، وبيان السبل الشرعية للتعامل معها.

فالتقنين قد عم اليوم أرجاء الدنيا، ولا توجد دولة إلا وقد حددت الأحكام التي يجب على القضاء تطبيقها، وعدم الخروج عنها [2] ؛ ولذلك فما من دولةٍ إسلاميةٍ -في حد علمي-، إلا وتنص على أن الدين الإسلامي هو الدين الرسمي، وتحث على العمل بأحكامه، سواء طبقت ذلك أم لا.

ويمكن القول -في خضم هذا الواقع- إن مناط النقاش ليس هو حكم التقنين في حد ذاته، وإنما هو مناقشة نصوصه وتنزيلاته؛ فما وافق منه الشرع فلا إشكال فيه، وما خالفه، فذلك ميدان الجهات المختصة في تعديله، وتصويبه، وفقًا للشريعة الإسلامية، ولعل هذا ما يحوم حوله ابن القيم رحمه الله حين قال:"فإذا ظهرت أمارات الحق، فثم شرع الله والطرق أسبابٌ ووسائل وإنما المراد المقاصد، ولا نقول: إن السياسة العادلة"

(1) وهو في الأمر الذي يعسر الانفكاك عنه، كالنجاسة التي يشق الاحتراز عنها، كمن به سلس بول، واحتمال يسير الغبن في البيوع، ونحو ذلك. تيسير علم أصول الفقه، لعبد الله الجديع، ص 64.

(2) تقنين الفقه الإسلامي ضرورة ملحة؟ أم هوس عابر؟، لآدم يونس، مقال منشور بشبكة الشاهد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت