وعلى هذا فإن دراسة الأنظمة بحاجة إلى دراسة تحدد مقدار الحاجة إليها، وترصد البيئة والوسط التي توجد فيها، وتُعِد حينئذ حيثياتها وسبلها، بحسب الموازنات والأولويات؛ فلا يستقيم حكم عام إذن، إنما يحكم على كل حالة بحسبها، ويعلم آنذاك حكم دراسة الأنظمة ومدى الحاجة إليها.
وخلاصة القول، إن التعايش مع القوانين الوضعية في عصرنا الحاضر أمرٌ لا مفر منه، لكن يجب ألا يكون هذا ذريعةً إلى أن تصاغ هذه القوانين بأي حالٍ، بل يجب أن تكون خاضعةً للشريعة الإسلامية، وعلى هذا الأساس ننظر إلى المناهج والمقررات التي تُدَرّس في دراسات الأنظمة ضمن كليات الشريعة، إذ يجب أن تكون منضبطة وفق السياق العام والمبادئ العامة لهذه الكليات، والذي لا يعدو أن ينضوي تحت لواء الشريعة الغراء ومقاصدها.
فنحن مختلطون بالقوانين الوضعية، ولا انفكاك لنا عنها؛ لأننا مجبرون بالتوثيق في المحاكم، ونحتاج إلى التقاضي وإلى المحاماة وغيرها من الوظائف؛ التي لا يمكن أن نعد أصحابها ونكونهم إلا بدراسة الأنظمة، بل وحتى بعض الإدارات والمصالح، فإنها تحتاج إلى وضع قوانين داخلية، وعلى سبيل المثال فالمصارف الإسلامية تشتغل ضمن منظومة قانونية محلية ووطنية ودولية، ولا تستطيع أن تستمر دون التعامل بالقوانين اللازمة، وهي بذلك ملزمة بتوظيف قانونيين أو بالتعامل معهم؛ وحتى تبقى ملتزمة بالشريعة فهؤلاء القانونيون ملزمون بدراسة الأنظمة وفق الشريعة الاسلامية أو بحيازة فكرة عنها.
وعليه فإن دراسة الأنظمة في كليات الشريعة في البلدان التي تتحرى تطبيق الشريعة كالمملكة العربية السعودية، أمر لا مناص منه، ويحقق مصالح للبلاد والعباد؛ لأن البلاد تعمل بأنظمة، ومجبرة للتعامل مع النظام الدولي بأنظمة، فناسب أن تعد العدة لأجل ذلك، وتكون كوادر يفقهون في الأنظمة، ويحرصون على تنزيلها حسب مبادئ الشريعة وقواعدها ومقاصدها.