51.قُلتُ: فَجَرِيرُ وَالفَرَزْدَقُ وَالأَخْطَلُ؟ قَالَ: «هَؤُلَاءِ لَو كَانُوا فِي الجَاهِلِيَّةِ كانَ لَهُم شَأْنٌ، وَلَا أَقُولُ فِيهِم شَيْئًا لِأَنَّهُم إِسْلَامِيُّون» .
52.قَالَ أَبُو حَاتِم: وَكُنتُ أَسْمَعُهُ يُفَضِّلُ جَرِيرًا عَلَى الفَرَزْدَقِ كَثِيرًا، فَقُلتُ لَهُ يَوْمَ دَخَلَ عَلَيْهِ عِصَامُ بنُ الفَيْضِ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَن شَيءٍ، وَلَو أَنَّ عِصَامًا يَعلَمُهُ مِن قبلِكَ؛ لَمْ أَسْأَلْكَ، ثُمَّ قُلتُ: سَمِعتُكَ تُفَضِّلُ جَرِيرًا عَلَى الفَرَزْدَقِ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَمَا تَقُولُ فِيهِمَا وَفِي الأَخْطَلِ؟ فَأَطْرَق سَاعَةً، ثُمَّ أَنْشَدَ بَيْتًا مِن قَصِيدَتِه:
لَعَمْرِي لَقَدْ أَسْرَيْتُ لَا لَيْلَ عَاجِزٍ ... *** ... بِسَاهِمَةِ الْخَدَّيْنِ طَاوِيَةِ الْقُرْب
فَأَنْشَدَ أَبْيَاتًا زُهَاءَ العَشرَةِ، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ قَالَ لَكَ إِنَّ فِي الدُّنيَا أَحدًا قالَ مِثْلَهَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ؛ فَلا تُصَدِّقْهُ» .
53.ثُمَّ قَالَ: «أَبُو عَمرو بنُ العَلاءِ كَانَ يُفَضِّلُه، سَمعتُ أَبَا عَمرو بنَ العَلاءِ يَقُولُ: (لَو أَدْرَكَ الأَخْطَلُ مِنَ الجَاهِلِيَّةِ يَوْمًا وَاحِدًا؛ مَا قَدَّمْتُ عَلَيهِ جَاهِلِيًّا وَلَا إِسْلَامِيًّا) » .
54.ثُمَّ قالَ الأَصمَعِيُّ: «أَنْشَدتُّ أَبَا عَمرو بنَ العَلاءِ شِعرًا، فقَالَ: (مَا يُطِيقُ هذَا مِنَ الإِسْلامِيِّينَ أَحَدٌ وَلَا الأَخْطَل!) » .
55.قَالَ أَبُو حَاتِم: وَسَأَلْتُه عَن الأَغْلَبِ: أَفَحلٌ هُوَ مِن الرُّجَّازِ؟ فَقالَ: «لَيْسَ بِفَحْلٍ وَلا مُفْلِح» ، وَقالَ: «أَعْيَانِي شِعْرُهُ!» .
56.وَقالَ لِي مَرَّةً: «مَا أَرْوِي لِلأَغْلَبِ إِلَّا اثْنَتَيْنِ وَنِصْفًا» ، قُلتُ: كَيْفَ قُلتَ، نِصْفًا؟! قَالَ: «أَعْرِفُ لَهُ ثِنْتَيْنِ، وَكُنتُ أَرْوِي نِصْفًا مِنَ الَّتِي علَى القَافِ فَطَوَّلُوهَا» ، ثُمَّ قالَ: «كانَ ولدُهُ يَزِيدُونَ فِي شِعرِهِ حتَّى أَفْسَدُوهُ» .
57.قَالَ أَبُو حَاتِم: وَطَلَبَ مِنهُ إِسحَاقُ بنُ العَبَّاسِ رَجَزَ الأَغْلَبِ، [فَطَلَبَهُ مِنِّي، فَأَعَرْتُهُ إِيَّاهُ] ، فَأخرَجَ مِنهَا نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ، فَقُلتُ: أَلَمْ تَزْعُمْ أَنَّكَ لَا تَعْرِفُ لَهُ إِلَّا اثْنَتَيْنِ وَنِصْفًا؟ قالَ: «بَلَى، وَلكِنَّنِي انتَقَيْتُ مَا أَعرِفُ، فَإِنْ لَم يَكُنْ لَهُ فَهُوَ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ ثَبْتٌ أَو ثِقَةٌ» .
58.قَالَ أَبُو حَاتِم: وَكانَ أَرْوَى النَّاسِ للرَّجَزِ: الأَصْمَعِيّ.