قال ابن تيمية رحمه الله معلقًا على هذه القصة: (لما كان النبي لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه، بل صلى فيه لأنه موضع نزوله، رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في الصورة، ومتشبه باليهود والنصارى في القصد، الذي هو عمل القلب وهذا هو الأصل، فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل) (( مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ) ) (1/ 281) .
وقد قال ابن وضاح القرطبي رحمه الله بعد أن روى القصة وغيرها: (وكان مالك بن أنس، وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار للنبي صلى الله عليه وسلم ما عدا قباء وأحد) وبعضهم قال (قباء وحده) وأن لفظ (أحد) تصحيف وسيأتي.
ثم قال: (وسمعتهم يذكرون أن سفيان الثوري دخل مسجد بيت المقدس، فصلى فيه، ولم يتبع تلك الآثار، ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيره أيضًا ممن يقتدى به، وقدم وكيع أيضًا مسجد بيت المقدس فلم يعد فعل سفيان) .
ثم قال أخيرًا: (فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين، فقد قال بعد من مضى: كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرًا عند من مضى) الخ. (( البدع والنهي عنها ) )لابن وضاح القرطبي (ص: 43) .
الوجه الرابع: أن منع هذا التبرك من باب سد الذريعة، ويمكن إيضاح ذلك من عدة وجوه:
أحدها: أن النهي عن هذا الفعل سد لذريعة الشرك والفتنة، فهو وسيلة إلى الفتنة بتلك المواضع، وتعظيمها، وربما أفضى ذلك إلى جعلها معابد.
الثاني: أن ذلك الفعل يشبه الصلاة عند المقابر، إذ هو ذريعة إلى اتخاذ تلك الآثار مساجد.
والنصوص الشرعية تحرم اتخاذ قبور الأنبياء مساجد
الثالث: أن هذا الفعل ذريعة إلى التشبه بأهل الكتاب في أفعالهم، كما حذر عمر رضي الله عنه.