الصفحة 69 من 70

والشر للاتعاظ والحذر، والمراد أيضًا معنى ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من اتباع أمته سُنن أهل الكتاب لئلا نستنكر إذا جاءتنا عقوبات ذنوبنا كما عوقبوا، فإن سنن الله لا تتبدل، وليست لنا الحلوة ولهم المرة كما يقول بعض الصحابة، فالدعوة الآن إنما هي إلى التوبة من الدواعي التي سلطت علينا الأعداء وجلبت إلينا البلاء. وإن سالك غير هذا المسلك إنما طريقه مسدود، وهو عن طريق نجاته مصدود، وتسليط عدوه عليه قد يتكرر ويعود، لأنه مصرٌ على مساخط مولاه، معرضٌ عن آخرته مقبل على دنياه، يرضى وربه غضبان ويغضب وربه راضٍ.

وإنه لا يُجنى من الشوك العنب، فالذنوب والمعاصي مغناطيس العقوبات من تسليط الأعداء والبليات، وإن أعظم ما يعاقب به العبد إنما هو بإصراره على إسخاط ربه وموت قلبه.

ولنختم هذه النصيحة [1] بذكر وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجيشه لصلتها الوثيقة بهذا الموضوع والشاهد فيها قوله رضي الله عنه: ( ... فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم) ، وقوله: ( ... ورُب قوم سُلِّط عليهم من هو شرٌّ منهم كما سُلِّط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفارُ المجوس) .

فتأمل ذنوب الجيش التي هي عند الفاروق أخوف على المسلمين من عدوهم وتأمل التسليط على بني إسرائيل ما سببه؟

وتلك الوصية التي كتبها عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ومن معه من الأجناد هي ما يلي: ( ... أما بعد؛ فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب، آمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة وإلا نُنصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، فاعلموا أن عليكم في مسيركم حَفَظَةٌ من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منه ولا تعملوا بمعاصي الله، وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدونا شرٌ منا فلن يسلط علينا. فرُبَّ قوم سُلط عليهم شرٌ منهم كما سُلط

(1) كتبت قبل هذه المذكرة مذكرة لها صلة بموضوعها وهي بعنوان (العز المفقود والأمل المنشود) وهي منشورة بحمد الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت