بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم؛ سيف الدين الأنصاري
من المعلوم أن العقلاء لا يطلبون المعرفة الذهنية من أجل تكديس المعلومات في ثلاجة الذاكرة الميتة، وإنما يطلبونها من أجل إيجاد تصور واضح يمكنهم من الحكم الصحيح على الأمر، بحيث يكون هذا الحكم بمثابة الموقف المبدئي من القضية المتناولة.
ولكن مهما تكن صحة هذا الحكم (الموقف المبدئي) فإن قيمته تبقى قريبة إلى العدم إذا لم تتحول إلى إجراءات عملية تترجم حقيقة الحكم النظري إلى واقع عملي يصنع الحدث أو على الأقل يؤثر فيه، قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا} ، أما أن يصبح طلب الحكم النظري من أجل الحكم النظري، أي من غير أن يبنى عليه أي موقف عملي فهي السفاهة التي تقدح في مستوى النضج الفكري والنفسي للإنسان.
ولذلك لم يكن القصد من إثارة علامات المنافقين هو الاستهلاك الكلامي الذي يتحول إلى جدل سفسطائي يقلب الحركة الإسلامية إلى ظاهرة صوتية تُستنزف طاقتُها في معارك جانبية، غالبا ما تؤخر ولا تقدم، إنما القصد أن نمتلك معرفة - أو بالأحرى ضوابط للمعرفة - تمكننا من الحكم الصحيح على الأشخاص الذين يمثلون رقما من الأرقام المشكِّلة لمعادلة الصراع، فنعرف بالضبط المواقع الحقيقية لهذه الأرقام بعيدا عن تأثيرات الأهواء والظنون البشرية. على أن المطلوب النهائي ليس هو الوقوف عند الحكم النظري الذي يختزل ساحة الصراع في عالم الأفكار الذهنية التي لا حظ لها من الواقع، ولكن المطلوب النهائي هو أن يترجم هذا الحكم إلى سياسة عملية تصوغ في النهاية مجموعة من المفردات الإجرائية يكون من شأنها أن تضمن التناسب الدقيق بين الحمولة الفكرية والممارسة الميدانية.