الصفحة 2 من 46

أولًا: هم العدو:

رغم كل ما قد يصدر عن المنافقين من المواقف والممارسات فإن أذهان البعض قد تتثاقل عن استحضارهم عند الكلام عن الأعداء، ويرجع ذلك - حسب نظري - إلى أمرين أساسين، أولهما: أن المشاركة في المظهر تساعد على كسر الحواجز النفسية مما يحدث نوعًا من الاطمئنان إلى الطرف الآخر، قد يصل عند الإنسان السطحي إلى الحد الذي تضيع معه قضية الهوية. وثانيهما: أن الأثر السيء الذي تحدثه أعمال المنافقين لا يقع ابتداء على المسلمين باعتبارهم أفرادًا وإنما يقع عليهم باعتبارهم جماعة، مما يجعل"المسلم الفردي"لا يحس بالوجود الفعلي لحقيقة العدو في هؤلاء القوم. لكن - ومهما يكن السبب - فإن الرؤية الإسلامية ترفض مثل هذا الاسترخاء الذي يغيب معه الاستحضار الجدي للحكم الرباني القاضي بأن المنافقين يجب أن يكونوا حاضرين ضمن لائحة الأعداء. قال تعالى: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُم} [المنافقون: 4] .

بل إن المتأمل في {هُمُ الْعَدُوّ} يقف على معنى كبير وعميق أرى من خلال المراقبة أنه غائب عن الأوساط الإسلامية رغم أهميته الكبيرة في التأثير على معادلة الصراع، وهو أنه إذا كان المشرك الوثني عدوًا، والكافر الكتابي عدوًا، والكافر المرتد عدوًا، فإن المنافق ومن على شاكلته {هُمُ الْعَدُوّ} ، بالألف واللام التي تفيد كمال حقيقة العدو فيهم، وهي إشارة واضحة إلى أن إدخال هؤلاء القوم في لائحة الأعداء ليس هو كمال المطلوب، وإنما المطلوب هو أن يوضعوا على رأس هذه اللائحة ليصبح النظر إليهم على أساس أنهم العدو الأول للجماعة المسلمة. قال تعالى: {هُمُ الْعَدُوُّ} ، قال ابن عاشور: (والتعريف في"العدو"تعريف الجنس الدال على معين، لكمال حقيقة العدو فيهم) [التحرير والتنوير:13/ 241] .

إن مجرد نظرة أولية إلى نوعية المواقف والممارسات الصادرة عن المنافقين، وإلى الصيغة التي تطرح بها، كافية لإدراك العلة الكامنة وراء {هُمُ الْعَدُوُّ} . أما إذا أضفنا إلى ذلك كله كون تلك الأعمال تتحرك تحت شعار الإسلام وباسمه، فإن عوامل التأثير تصبح حاضرة بشكل يشكل خطورة خاصة على الجماعة المسلمة، لأنها مواقف وممارسات مؤدية في النهاية إلى زرع التضليل وإضعاف الإرادة وخلخلة البناء من الداخل، وهذه الخطورة يصعب أن يشكّلها أي عدو آخر مهما بلغت قوته ومهما اشتدت عداوته.

وهنا لابد من التفريق بين كمال حقيقة العدو وكمال حقيقة العداوة، فإن الأول حديث عن مراتب الأعداء باعتبار الخطر الذي يشكّلونه على الجماعة المسلمة، والثاني حديث عن الأعداء باعتبار درجة الكراهية الكامنة في صدورهم اتجاهها. فرغم أن القرآن قد كشف لنا أن اليهود والمشركين هم {أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة:82] ، إلا أنه يقرر - وبكل وضوح وتأكيد - أن المنافقين {هُمُ الْعَدُوُّ} الأول للمسلمين. فليس الأشد عداوة هو دائما العدو الأول، إذ قد تكون عداوة العدو على أشدّها ولكنه يفتقد إلى مقومات التأثير الفعّال التي تجعله يشكل الخطر الأول على الجماعة المسلمة، وهذا يعني أن ترتيب الأعداء وإن كان يأخذ بعين الاعتبار مستوى العداوة فيهم، إلا أنه يستحضر أولا مستوى الخطورة التي يشكّلونها علينا، ومن هنا كان المنافقون {هُمُ الْعَدُوّ} لأنهم يملكون العوامل المساعدة على الوصول إلى أهدافهم مما يجعل عملهم أكثر تأثيرًا وربما أعمق أثرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت