قال {لأرجمنك واهجرني مليا} رفض الدعوة بل هدده وأمر بأن يفارقه طويلًا لكن صبر هذا الإمام العظيم لم يثنه عن طريق الحق والدعوة إلى الله عز وجل والدين القويم، ورد بلطف فيه وضوح وأدبٍ بدون تمييع لدعوته، قال: {سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا * وأعتزلكم وما تدعون من دون الله} ] مريم: 47 - 48.[استغفر إبراهيم لأبيه حتى تبين له أن أباه عدو لله فتبرأ منه, قابل غضبة أبيه بكل رفقٍ ولين ولكن ليس على حساب عقيدته، فقال: {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله} فترك أصنامهم وتبرأ منهم وكفر بهم وبكفرهم وشركهم وبحث عن أسلوب آخر لتحقيق هدفه في دعوته كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقد يقول لماذا الحديث عن الدعوة إلى الله ونحن في جهاد وقتال؟ لابد أن نحرض المقاتلين ونقسي قلوبهم حتى لا يريدون إلا شراب الدماء، نقول: إن قائل هذا الكلام لم يفهم أنه لا دين بدون دعوة وجهاد.
يقول ابن القيم - رحمه الله - في مفتاح دار السعادة:"قوام الدين بالعلم والجهاد؛ ولهذا كان الجهاد نوعين: جهاد باليد والسنان وهذا المشارك فيه كثير، والثاني الجهاد بالحجة والبيان وهذا جهاد الخاصة من أتباع الرسل وهو جهاد الأئمة وهو أفضل الجهادين لعظم منفعته وشدة مؤنته وكثرة أعداءه، قال تبارك وتعالى: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا * فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا} ]الفرقان: 51 - 52. [والآية مكية, فهذا جهادٌ لهم بالقرآن وهو أكبر الجهادين، وجهاد المنافقين أيضًا؛ فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين بل كانوا معهم بالظاهر وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم، ومع هذا فقد قال تبارك وتعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم كبيرا} ] التوبة: 73. [، ومعلوم أن جهاد المنافقين بالحجة والقرآن." انتهى كلام ابن القيم - رحمه الله تعالى -.[1]
(1) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - (1/ 191) , ط: دار عالم الفوائد , تحقيق: عبد الرحمن بن حسن بن قائد