وعلى الممدوح أن يكون شديد الاحتراز عن آفة الكبر والعُجْب وآفة الفتور ويتذكر أنه يعلم من نفسه ما لا يعلمه المادح، وأنه لو انكشف له جميع أسراره ما يجري على خاطره لكفّ المادح عن مدحه، وكان علي - رضي الله عنه - إذا أثني عليه يقول: (اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرًا مما يظنون) .
وعلى المادح أن لا يجزم القول إلا بعد خبرة باطنه، سمع عمر - رضي الله عنه - رجلًا يثني على رجل، فقال: أسافرت معه؟ قال: لا، قال: أخالطته في المبايعة والمعاملة؟ قال: لا، قال: فأنت جاره صباحه ومساءه؟ قال: لا، فقال: والله الذي لا إله إلا هو لا أراك تعرفه) [1] .
سمع علي بن الحسن-رضي الله عنهما-رجلًا يمدح آخر بما ليس فيه فأنكره. فقال له الرجل الممدوح: لماذا ينكر عليَّ عليٌّ ما سمع؟ فقال علي - رضي الله عنه: (والله إذا قال فيك رجل ما لا يعلم فيك من الخير يوشك أن يقول فيك ما لا يعلم من الشر) [2] .
وقال ابن بطال: (حاصل النهي أن من أفرط في مدح آخر بما ليس فيه لم يأمن على الممدوح العجب، لظنه أنه بتلك المنزلة فربما ضيع العمل والازدياد من الخير اتكالًا على ما وصف به، ولذلك تأول العلماء في الحديث) .
وهذا غيض من فيض، وقليل من كثير. ونحن-عَلِمَ الله-ما قلنا هذا في شيخنا إلا بحق وبخبرة وصدقًا لا نفاقًا وهو أكثر مما قلنا فيه والله من وراء القصد ...
(1) - انظر: (الصمت) لابن أبي الدنيا (ص:283) ، و (اللسان آدابه وآفاته) (ص:42/ 43) . لإبراهيم بن محمد.
(2) - انظر: (الأجوبة المسكتة) (1/ 106) . للأستاذ إبراهيم بن عبد الله الحازمي.