الصفحة 3 من 5

ثم ظهرت حركة الاستشراق المواكبة لحملات الاستعمار، والممهدة لنفوذه الفكري العسكري، فنبغت فيها نابغة رأس مالها التحريف المتعمد والتشكيك المقصود، ودس السم في العسل، وندر منهم جدا المنصف العاقل، الباحث المتجرد، فكثرت في أبحاثهم ودراساتهم الأكاذيب المموهة، والدسائس المغلفة بثوب البحث العلمي والدراسات الأكاديمية، ووجدوا في كتب الروافض ونحوهم من المبتدعة مادة دسمة يغدون بها أقوالهم ومزاعمهم.

ومع هذا كله فقد كانت هذه الحركة مظهرا لعَلم من أعلام النبوة حيث يقول عليه الصلاة والسلام:"إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" [1] . وفي رواية: بأقوام لا خلاق لهم. وتصدى عدد كبير منهم لتحقيق المئات من كتب التراث الإسلامي، ولا سيما في مجال اللغة والأدب والتاريخ، مع ريادتهم في تطبيق مناهج المحدثين في تمحيص الروايات وضبط الأسماء واللغات، وتجديد علم الفهرسة الذي تنوسي بطول العهد وما ران عن عقول السلمين من ظلام القهر والاستبداد والجهل في عصور الانحطاط.

لم يكن مستبعدا ولا مستنكرا أن يظهر بعد الحين والحين في الدول الإسلامية بعد انحدار الاستعمار المسلح، واستفحال الاستعمار الثقافي وهو أخطر وأفتك، أفراد ممن أفرزتهم مدارسهم وربوهم على أعينهم، وخلوفهم أوصياء على قومهم ودينهم ولغتهم، فكانوا شر خلف لشر سلف، لم يكتفوا بما ورثوا عن أسيادهم من زور وجهل، بل زادوا كفرا ونفاقا، وانفردوا بألوان من الزيف والبهتان لم يسبقوا إليها. وكانت مصر ولازالت مباءة لمثل هؤلاء، ولم يعرف المغرب قط أمثالهم إلا في هذه السنوات العجاف التي إستنسر فيها البغات، وظهر الرويبضة وكثر نقيق الضفادع وعم المسخ جميع العلوم والفنون.

وقد استفحل الشر لدرجة أن تنعق بومة آدمية على أمواج الإذاعة الوطنية في دولة المغرب المسلمة بسبب المصطفى، بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم سبا صريحا، وتذهب دون أن تلقى جزاء، فلم نسمع زوبعة لا

(1) أخرجه البخاري: 3/ 1114, باب إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، حديث: 2879، ومسلم في كتاب الايمان: 1/ 105, حديث رقم 111، وغيرهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت