غير أنّ الباحثين والدارسين صنّفوا تلك القواعد أو الأسس أو الأصول الفقهية إلى صنفين أو مرتبتين متمايزتين متكاملتين:
أوّلا: الصنف الأول أو المرتبة الأولى: الأصول، أو الأسس، أو القواعد الفقهية القريبة التي تتعلّق غالبا باللفظ أو النصّ الشرعيّ ودلالاته اللفظية إمّا بمنطوقه أو مفهومه، وذلك ما اصطُلح على تسميته غالبا بأصول الفقه أو الأصول القريبة والتي يتعيّن على كلّ طالب علم بعلوم الشريعة أن يلمَّ أو يحيط بها علما، وتلك مباحث دلالة الألفاظ مثل: دلالة الأمر على الوجوب عند تجرّده عن القرينة وصرفِه بالقرينة إلى غير الوجوب. ودلالة النهي على الحرمة إذا تجرّد عن القرينة وصرفِه إلى معاني أخرى بالقرينة. وكذا دلالتهما على الفور أو التراخي، وعلى المرّة أو التَّكرار، وعلى الاجتزاء والبطلان والفساد. وكذلك مباحث العامّ والخاصّ، والمطلق والمقيَّد، والمجمل والمبيَّن، ودلالة المنطوق والمفهوم بقسميه مفهومٌ موافِقٌ أو مخالِفٌ، ومباحث الإجمال والبيان وورودهما مقترنين أو مفترقين، متزامنين أو متباعدين، إلى غير ذلك من المباحث اللفظية لفهم النص الشرعي من الكتاب أو السنة، زيادة على المباحث الخاصة بالسنة من حيث سندُها، وتصنيفُها، ومراتبها، وعللها، وعلاقتها بالقرآن، كلّ ذلك اصطُلح على تسميته عند الجمهور -جمهور المؤلفين والدارسين-"بأصول الفقه القريبة"، وذلك قدر مشترك قد يشترك ويتساوى فيه وقد يتّفق عليه جميع طلبة أو علماء الشريعة لفهم القرآن والسنة، بل قد يتّفق معهم في ذلك علماء اللغة؛ لأنّ معظم تلك القواعد معهودة عند العرب في فهم دلالات ألفاظ لغتهم، مثل إدراك دلالة الحقيقة والمجاز، وفهم الكناية والاستعارات، ودلالة اللفظ بمنطوقه ومفهومه الموافق أو المخالف، ودلالة العام والخاص، والمجمل والمبيّن، وغير ذلك مِمَّا هو معهودٌ ومعروفٌ عند العرب، وقد نزل القرآن بلغتهم: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [1] [8] ، وإن لم يدوّنوها عِلْمًا مستقلاًّ يدرس إلا بمبادرة وسبق من الإمام محمّد بن إدريس الشافعي، كما لم تُدوَّن قواعدُ النحو علما مستقلاًّ إلا بمبادرة من أبي الأسود الدؤلي ومباركة من الإمام علي بن أبي طالب -كما يروى-، فتلك القواعد أو الأصول القريبة مِمَّا نجده عند معظم الذين
(1) [8] إبراهيم، آية 4.