ولعلّ من المفيد لنا أن نضرب مثالا أو مثالين لهذا الصنف من القواعد الفقهية، أو الأصول البعيدة، أو الكليات الكبرى للفقه، كيف توصّل إليها العلماء الربانيّون من خلال جمع النصوص المشيرة إليها أو الدالّة عليها، فاستقرؤوها استقراءً حتى تحصّلوا منها على مثل هذه القواعد ثمّ طبقوها، ويجب أن تُطبَّق تطبيقا تنازليا وتفريعيًّا على ما لا يتناهى من جزئيات وفروع حياة الناس أبدَ الدهر إلى نهاية التكليف بقيام الساعة، أو برفع القرآن كما قيل وَوَرد في الأثر. فمن ذلك:
1 ـ قاعدة أو أصل يسر الدين أو يسر الشريعة السلامية - جملة وتفصيلا-، هذا أصل كبير من أصول الشريعة وفقهها، وكلّيٌّ من كلّياتها، وقاعدة من قواعد الفقه الكبرى وأصولها البعيدة، توصّل إليها العلماء، أو يتوصّل إليها الدارس عندما يستعرض ويستقرئ ويستقصي ويستنطق النصوص التالية بمنطوقها ومفهومها ودلالتها الفرعية أو البعيدة، من مثل قول الله الله - صلى الله عليه وسلم - في مجال الصوم - صوم رمضان - ونحن فيه اليوم قال: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [1] [10] .
ثم قال: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّن أَيَّامٍ أُخَرَ، يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [2] [11] .
وفي باب الطهارة للصلاة بعد آية الوضوء طهارةً صغرى قال: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [3] [12] .
(1) [10] البقرة، آية 184.
(2) [11] البقرة، آية 185.
(3) [12] المائدة، آية 6.