وإني لأظنه كاذبا) نجد أن الضمير راجع إلى (موسى) مع أنه مضاف إليه؛ لا من جهة كونه الأقرب وإنما لأنه المحدّث عنه في الآية. وإذا كان الشيخ شقرة يرى خطأ عود الضمير في آية الواقعة إلى (القرآن) لأنه الأبعد عن الضمير؛ فلنا أن نسأله: ما مرجع الضمير في قوله تعالى: (إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب) ، هل تراه على تنظير الشيخ شقرة المتاع، فيكون الذئب قد اتهم بأكل المتاع، فإن المتاع هو الأقرب من الضمير؛ هذا مع صلاح عود الضمير إليه. أو نقول إن المحدّث عنه هنا يوسف؛ فهو مرجع الضمير وإن لم يكن الأقرب.
وعليه؛ فما هو المحدّث عنه في قوله تعالى (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يَمَسُّه إلا المطهرون) . الجواب بسهولة (القرآن) لأنه من جهة؛ محل تسلط المؤكدات وهو موضوع الجملة على قول، ومن جهة أخرى هو متعلَّق المذكورات بعده. فهو المحدث عنه بلا مثنوية.
ثانيا: في قوله تعالى (لا يمسُّه إلا المطهرون) : يقول الشيخ الفاضل شقرة، مقلدا ابن حزم:"ثم إن قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) ليس أمرا، وإنما هو خبر، ولا يجوز صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى الأمر إلا بنص جلي، أو إجماع متيقن؛ كما يقول ابن حزم رحمه الله) انتهى ما نقله الشيخ شقرة من تطبيق ابن حزم رحمه الله. ثم أتى بفصل ضعيف جدا تحت عنوان (زيادة بيان) لن أعني نفسي بالرد عليه."
تذنيب ونقاش:
1 ـ الخبر قد يقع موقع الإنشاء لاعتبار معين عند أهل البلاغة، ومن الاعتبارات المناسبة هنا القصد إلى المبالغة في الطلب، أو استعجال المخاطب في تحصيل المطلوب، ومنه قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهنّ) ، وقوله (صلى الله عليه وسلم) فيما رواه البخاري ومسلم:"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه". وأما اشتراط الإجماع أو النص الجلي في صرف الخبر عن ظاهره ففيه نظر، ولم يتنبه الشيخ الفاضل شقرة لأمر، وهو أن هذا الاشتراط منسجم مع الأصول الظاهرية لابن حزم (رحمه الله) ولا يلزم الجمهور.
2 ـ لنا أن نسأل لماذا لا تكون الآية الكريمة من باب الطلب، وتكون (لا) للنهي، وإن كان التشاجر معكم على ضم الفعل (يمسه) ؛ فقد أجاز بعض فحول اللغة أن تكون الضمة للبناء وأن يكون الفعل مجزوما، كما أرى أنه يجوز كون الضمة للمنع من التقاء الساكنين؛ فإذا اشترطوا مشاكلة الميم في (يمسه) لتصحيح الضمة قلنا: جاز في اللغة أن نقول: يمس (بفتح الميم) وهي العالية، ويمس (بضم الميم) حكاه أبو عبيدة. وهذا مصحح للمشاكلة، وتجويز الضم مع اعتبار النهي في (لا) .
ثالثا: البحث هنا في (المطهرون) ، يقول الشيخ الفاضل محمد إبراهيم شقرة، وأستعفي القارئ الكريم من الركاكة،:"إن كلمة (المطهرون) ، ومعناها: الملائكة؛ كما ذكر ابن كثير رحمه الله، تدل في أصل وضعها أن صفة الطهر صفة"