ونفي اعتبار الزيادة المعنوية عن كلمة (مؤمن) ههنا، مما لا ينتطح فيه عنزان. وإنما يتحقق اعتبار القيد الزائد ههنا في معنى الطهارة الحسية؛ وهي الوضوء؛ فحمل (طاهر) على الوضوء يشمل من جهة الدلالة معنى الطهارة من الحدث الأكبر، ومعنى الإسلام، فكل متوضئ على الوجه الشرعي متطهر من الحدث الأكبر، وكل متوضئ على الوجه الشرعي مسلم أو مؤمن، ولا عكس.
لذلك اشترط الشافعية الوضوء لمس المصحف؛ فتأمل يا مبارك هذا الأمر.
? الحديث الثاني: لنا أيضا قول نبيّنا (صلى الله عليه وسلم) :"إنّي كرهت أن أذكر الله (عز وجل) إلا على"
طهر، أو قال: على طهارة"."
رواه أبو داود، والنسائي، وابن خزيمة، وغيرهم؛ وصحح الشيخ شقرة? سنده.
قال الشيخ شقرة عن هذا الحديث:"فلا يدلّ على المنع من المسّ، بل? ولا على الكراهة الشرعية، وغاية ما يدل عليه أنه لا تطيب نفسه (صلى الله عليه وسلم) إلا بأن يذكر الله تعالى وهو على طهارة، وقد كان (صلى الله عليه وسلم) لا يحب أشياء؛ لأنه لا يجد في نفسه ميلا إليها"اهـ
تذنيب ونقاش:
1 ـ قل يا شيخ: لو عرضنا جملتك هذه (بل ولا على الكراهة الشرعية) على أهل العربية؛ أما كنت تبكيهم بها؟!
2 ـ هذا الذي طرحته للهروب من دلالة الحديث؛ مما يضحك الثكالى؛ لأن الأصل في كراهة النبي (صلى الله عليه وسلم) الشيء، الحرمة أو الكراهة الشرعية؛ فما مستندك في مخالفة هذا الأصل؟
3 ـ ألا ترى معنا أن قراءة القرآن أعظم ذكر لله، وأنت تسعى إلى إثبات حصول الذكر الأعظم من الرسول (صلى الله عليه وسلم) على غير طهر؛ ثمّ تريد أن تقنعنا أن نفسه الشريفة لا تطيب أن تذكر الذكر الذي هو دون الذكر الأعظم إلا بطهارة؛ وهذا مما تمجه العقول.
4 ـ وكأن الشيخ بعد هذا الطرح، شعر بتهافته؛ فقال:"ولئن سلمنا أن الكراهة شرعية، لكنها ـ مع ذلك ـ لا تعارض الجواز بحال"اهـ.
قلت: إن كان قولك يشمل الذكر الأعظم؛ فهل ثبت الجواز أولا؟ فإنما التشاجر معك في إثبات الجواز؛ المصحح لاعتبار التعارض.
? ولنا كذلك حديث لم يذكره الشيخ شقرة في كتيبه، وهو حديث الشيخين من مسند أمنا عائشة (رضي الله عنها) قالت:"كان رسول الله يتكئ في حجري، فيقرأ القرآن وأنا حائض".
وفيه نكتة لطيفة، أشار إليها الإمام ابن دقيق? العيد بقوله:"وفيه إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن؛ لأن قولها"
(فيقرأ القرآن) إنما يحسن التنصيص عليه، إذا كان ثمة ما يوهم منعه، ولو كانت قراءة القرآن للحائض جائزة لكان هذا الوهم منفيا؛ أعني توهم امتناع قراءة القرآن في حِجر الحائض"اهـ."