الصفحة 31 من 35

رأوا حديثا صحيحا يخالف قولهم. وأما علماء أهل المدينة وعلماء الحديث فرأوا السنن والآثار قد جاءت بالعقوبات المالية كما جاءت بالعقوبات البدنية: مثل كسر دنان الخمر؛ وشق ظروفها؛ وتحريق حانوت الخمار. كما صنع موسى بالعجل، وصنع النبي صلى الله عليه وسلم بالأصنام، وكما أمر عليه السلام عبد الله بن عمرو بتحريق الثوبين المعصفرين، وكما أمرهم عليه السلام بكسر القدور التي فيها لحم الحمر ثم أذن لهم في غسلها، وكما ضعف القود على من سرق من غير الحرز، وفي حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب غرم الضالة المكتومة وضعف ثمن دية الذمي المقتول عمدا.

وكذلك مذهبهم في [العقود والديات] من أصح المذاهب فمن ذلك دية الذمي فمن الناس من قال: ديته كدية المسلم؛ كقول أبي حنيفة. ومنهم من قال: ديته ثلث دية المسلم؛ لأنه أقل ما قيل؛ كما قاله الشافعي. والقول الثالث: أن ديته نصف دية المسلم وهذا مذهب مالك وهو أصح الأقوال؛ لأن هذا هو المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه أهل السنن: أبو داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن ذلك العاقلة تحمل جميع الدية كما يقول الشافعي؛ أو تحمل المقدرات كدية الموضحة والأصابع فما فوقها كما يقوله أبو حنيفة؛ أو تحمل ما زاد على الثلث وهو مذهب مالك وهذا الثالث هو المأثور وهو مذهب أحمد، وفي الثلث قولان في مذهب مالك وأحمد.

ويذكر أنه تناظر مدني وكوفي فقال المدني للكوفي: قد بورك لكم في الربع كما تقول: يمسح ربع الرأس، ويعفى عن النجاسة المخففة عن ربع المحل، وكما تقولونه في غير ذلك. فقال له الكوفي: وأنتم بورك لكم في الثلث كما تقولون: إذا نذر صدقة ماله أجزأه الثلث، وكما تقولون: العاقلة تحمل ما فوق الثلث، وعقل المرأة كعقل الرجل إلى الثلث فإذا زادت كانت على النصف وأمثال ذلك.

وهذا صحيح؛ ولكن يقال للكوفي: ليس في الربع أصل لا في كتاب الله ولا سنة رسوله. وإنما قالوا: الإنسان له أربع جوانب ويقال: رأيت الإنسان إذا رأيت أحد جوانبه وهي أربعة فيقام الربع مقام الجميع. وأما الثلث فله أصل في غير موضع من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه قد ثبت بالسنة الصحيحة واتفاق المسلمين أن المريض له أن يوصي بثلث ماله لا أكثر؛ كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص لما عاده في حجة الوداع؛ وكما ثبت في الصحيح في الذي أعتق ستة مملوكين له عند موته فجزأهم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة؛ وكما روي أنه قال لأبي لبابة: (يجزيك الثلث) وكما في غير ذلك فأين هذا من هذا؟ وما في هذا الحديث يقول به أهل المدينة.

والقرعة فيها آية من كتاب الله وستة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم منها هذا الحديث. ومنها قوله: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ولم يجدوا إلا أن يستهموا عليه) ، ومنها: (إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه) ، ومنها: أن الأنصار كانوا يستهمون على المهاجرين لما هاجروا إليهم، ومنها في المتداعيين اللذين أمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يستهما على اليمين حبا أم كرها، ومنها: في اللذين اختصما في مواريث درست فقال لهما: (توخيا الحق واستهما وليحلل كل منكما صاحبه) . والقرعة يقول بها أهل المدينة ومن وافقهم كالشافعي وأحمد وغيرهما، ومن خالفهم من الكوفيين لا يقول بها؛ بل نقل عن بعضهم أنه قال: القرعة قمار وجعلوها من الميسر.

والفرق بين القرعة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الميسر الذي حرمه ظاهر بين؛ فإن القرعة إنما تكون مع استواء الحقوق وعدم إمكان تعيين واحد وعلى نوعين: أحدهما: أن لا يكون المستحق معينا كالمشتركين إذا عدم المقسوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت