الصفحة 32 من 35

فيعين لكل واحد بالقرعة، وكالعبيد الذين جزأهم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء، وكالنساء اللاتي يريد السفر بواحدة منهن فهذا لا نزاع بين القائلين بالقرعة أنه يقرع فيه. والثاني: ما يكون المعين مستحقا في الباطن كقصة يونس، والمتداعيين، وكالقرعة فيما إذا أعتق واحدا بعينه ثم أنسيه، وفيما إذا طلق امرأة من نسائه ثم أنسيها أو مات: أو نحو ذلك. فهذه القرعة فيها نزاع وأحمد يجوز ذلك دون الشافعي.

فصل

ومذهبهم في الأحكام أنهم يرجحون جانب أقوى المتداعيين ويجعلون

اليمين في جانبه فيقضون بالشاهد ويمين الطالب في الحقوق وفي

القسامة يبدأون بتحليف المدعين فان حلفوا خمسين يمينا استحقوا الدم،

والكوفيون يرون أنه لا يحلف الا المدعى عليه فلا يحلفون المدعى لا في قسامة ولا في غيرها ولا يقضون بشاهد ويمين ولا يرون اليمين على المدعى.

ومعلوم أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة توافق مذهب

المدنيين، فإن حديث القسامة صحيح ثابت فيه وقد قال النبي صلى الله

عليه وسلم للأنصار: (تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم) . وكان الشافعي ونحوه من أهل العراق إذا ناظروا علماء أهل المدينة ـ كأبي الزناد وغيره ـ في القسامة واحتج عليهما أهل المدينة بالسنة التي لا مندوحة لأحد عن قبولها ويقولون لهم أن السنة ووجوه الحق لتأتى على خلاف الرأي، فلا يجد المسلمون بدا من قبولها في كلام طويل مروي بإسناد.

وكذلك مسألة الحكم بشاهد ويمين فيها أحاديث في الصحيح والسنن كحديث ابن عباس الذي رواه مسلم، وكحديث أبي هريرة وغيره مما رواه أبو داود لما قال بعض العلماء نرى أن من حكم بشاهد ويمين نقض حكمه. انتصر لهذه السنة العلماء كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد وغيرهم. فمالك بحث فيها في موطأه بحثا لا يعد له نظير في الموطأ، والشافعي في الأم بحث فيها نحو عشر أوراق، وكذلك أبو عبيد في كتاب القضاء.

وليس مع الكوفيين إلا ما يروونه من قوله: (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر) وهذا اللفظ ليس في السنن وإن كان قد رواه بعض المصنفين في الأحاديث، ولكن في الصحيح حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه) .

وهذا اللفظ إما أن يقال لا عموم فيه؛ بل اللام لتعريف المعهود وهو المدعى عليه؛ اذ ليس مع المدعي إلا مجرد الدعوى كما قال (لو يعطى الناس بدعواهم. .) ومن يحلف المدعي لا يحلفه مع مجرد الدعوى بل إنما يحلفه اذا قامت حجة يرجح بها جانبه كالشاهد في الحقوق، والإرث في القسامة.

إن قيل هو عام فالخاص يقضى على العام، واحتجاجهم بما في القرآن من ذكر الشاهدين والرجل والمرأتين ضعيف جدا، فإن هذا إنما هو مذكور في تحمل الشهادة دون الحكم بها، ولو كان في الحكم فالحكم بالشهادة المجردة لم يفتقر إلى ذلك، ومن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت