الصفحة 33 من 35

حلف مع الشاهد لم يحكم بشهادة غير الشهادة المذكورة في القرآن، ثم الائمة متفقون على أنه يحكم بلا شهادة أصلا بل بالنكول أو الرد وأنه يحكم بشهادة النساء منفردات في مواضع فكيف يحكم مع أن هذا ليس بمخالف للقرآن؟ فكيف باليمين مع الشاهد؟ ثم مالك يوجب القود في القسامة ويقيم الحد على المرأة اذا التعن الرجل ولم تلتعن المرأة، والشافعي يقيم الحد ولا يقتل من القسامة، وأبو حنيفة يخالف في المسألتين، وأحمد يوافق على القود بالقسامة دون حد المرأة بل يحسبها اذا لم تلتعن ويخليها. وظاهر الكتاب والسنة يوافق قول مالك، ومن ذلك أهل المدينة يرون قتل اللوطي الفاعل والمفعول به محصنين كانا أو غير محصنين، وهذا هو الذي دلت عليه السنة واتفاق الصحابة، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، ومن قال لا قتل عليه من الكوفيين فلا سنة معه ولا أثر عن الصحابة.

وقد قال ربيعة للكوفي الذي ناظره: أيجعل مالا يحل بحال كما يباح بحال دون حال؟ وذكر الزهري: أن السنة مضت بذلك. ومن ذلك أن الدعوى في التهم كالسرقة والقتل يراعون فيها حال المتهم هل هو من أهل التهم ام ليس من أهل ذلك، ويرون عقوبة من ظهرت التهمة في حقه. وقد ذكر ذلك من صنف في الأحكام السلطانية من أصحاب الشافعي وأحمد، ذكروا في عقوبة مثل هذا هل يعاقبه الوالي والقاضي؟ أم يعاقبه الوالي؟ قولان.

وكما يجب أن يعرف أن امر الله تعالى ورسوله متناول لكل من حكم بين الناس سواء كان واليا أو قاضيا أو غير ذلك فمن فرق بين هذا وهذا بما يتعلق بأمر الله ورسوله فقد غلط، وأما من فرق بينهما بما يتعلق بالولاية لكون هذا ولي على مثل ذلك دون هذا فهذا متوجه. وهذا كما يوجد في كثير من خطاب بعض أتباع الكوفيين وفى تصانيفهم، اذا احتج عليهم محتج بمن قتله النبي صلى الله عليه وسلم أو أمر بقتله ـ كقتله اليهودى الذي رض رأس الجارية، وكإهداره لدم السابة التى سبته وكانت معاهدة، وكأمره بقتل اللوطي، ونحو ذلك ـ قالوا: هذا يعمله سياسة. فيقال لهم: هذه السياسة إن قتلهم هي مشروعة لنا، فهي حق، وهي سياسة شرعية. وإن قلتم: ليست مشروعة لنا، فهذه مخالفة للسنه.

ثم قول القائل بعد هذا سياسة إما أن يريد أن الناس يساسون بشريعة الاسلام؟ أم هذه السياسة من غير شريعة الاسلام؟ فإن قيل بالأول فذلك من الدين، وإن قيل بالثاني فهو الخطأ. ولكن منشأ هذا الخطأ أن مذهب الكوفيين فيه تقصير عن معرفة سياسة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسياسة خلفائه الراشدين. وقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: (أن بني اسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبي قام نبي، وأنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء يكثرون) قالوا: فما تأمرنا؟ قال:(أوفوا بيعة الأول

فالأول، وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم).

فلما صارت الخلافة في ولد العباس، واحتاجوا إلى سياسة الناس، وتقلد لهم القضاء من تقلده من فقهاء العراق ولم يكن ما معهم من العلم كافيا في السياسة العادلة، احتاجوا حينئذ إلى وضع ولاية المظالم، وجعلوا ولاية حرب غير ولاية شرع، وتعاظم الأمر في كثير من أمصار المسلمين، حتى صار يقال: الشرع والسياسة، وهذا يدعو خصمه إلى الشرع وهذا يدعو إلى السياسة، سوغ حاكما أن يحكم بالشرع والآخر بالسياسة، والسبب في ذلك أن الذين انتسبوا إلى الشرع قصروا في معرفة السنة. فصارت أمور كثيرة اذا حكموا ضيعوا الحقوق، وعطلوا الحدود حتى تسفك الدماء؛ وتؤخذ الاموال؛ وتستباح المحرمات.

والذين انتسبوا إلى السياسة صاروا يسوسون بنوع من الرأى من غير اعتصام بالكتاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت