فهرس الكتاب
والسنة، وخيرهم الذي يحكم بلا هوى وتحرى العدل، وكثير منهم يحكمون بالهوى؛ ويحابون القوي ومن يرشوهم ونحو ذلك.
وكذلك كانت الأمصار التى ظهر فيها مذهب أهل المدينة، يكون فيها من الحكم بالعدل ما ليس في غيرها، من جعل صاحب الحرب متبعا لصاحب الكتاب، مالا يكون في الأمصار التى ظهر فيها مذهب أهل العراق ومن اتبعهم؛ حيث يكون في هذه والي الحرب غير متبع لصاحب العلم. وقد قال الله تعالى في كتابه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ. . .} الاية [الحديد: 25] فقوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر، وكفى بربك هاديا ونصيرا.
ودين الاسلام أن يكون السيف تابعا للكتاب، فاذا ظهر العلم بالكتاب والسنة وكان السيف تابعا لذلك كان أمر الاسلام قائما، وأهل المدينة أولى الأمصار بمثل ذلك. أما على عهد الخلفاء الراشدين فكان الأمر كذلك، وأما بعدهم فهم في ذلك أرجح من غيرهم.
وأما اذا كان العلم بالكتاب فيه تقصير، وكان السيف تارة يوافق الكتاب وتارة يخالفه، كان دين من هو كذلك بحسب ذلك، وهذه الأمور من اهتدى إليها وإلى أمثالها تبين له أن أصول أهل المدينة أصح من أصول أهل المشرق بما لا نسبة بينهما.
ومن ذلك أن القتال في الفتنة الكبرى كان الصحابة فيها ثلاث فرق فرقة قاتلت من هذه الناحية؛ وفرقة قاتلت من هذه الناحية؛ وفرقة قعدت. والفقهاء اليوم على قولين: منهم من يرى القتال من ناحية علي مثل أكثر المصنفين لقتال البغاة، ومنهم من يرى الإمساك وهو المشهور من قول أهل المدينة وأهل الحديث. والأحاديث الثابتة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمر هذه الفتنة توافق قول هؤلاء، ولهذا كان المصنفون
لعقائد أهل السنة والجماعة يذكرون فيه ترك القتال في الفتنة؛ والإمساك
عما شجر بين الصحابة.
ثم إن أهل المدينة يرون قتال من خرج عن الشريعة كالحرورية وغيرهم، ويفرقون بين هذا وبين القتال في الفتنة وهو مذهب فقهاء الحديث، وهذا هو الموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين، فإنه قد ثبت عنه الحديث في الخوارج من عشرة أوجه خرجها مسلم في صحيحه وخرج البخاري بعضها وقال فيه:(يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم؛ وصيامه مع صيامه؛ وقراءته مع قراءتهم،
يقرأون القران لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن
قتلهم يوم القيامة).
وقد ثبت اتفاق الصحابة على قتالهم، وقاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذكر فيهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المتضمنة لقتالهم، وفرح بقتلهم وسجد له شكرا لما رأى أباهم مقتولا وهو ذو الثدية. بخلاف ما جرى يوم الجمل وصفين فإن عليا لم يفرح بذلك بل ظهر منه من التألم والندم ما ظهر، ولم يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك سنة؛ بل ذكر أنه قاتل باجتهاده.
فأهل المدينة اتبعوا في قتال المارقين من الشريعة وترك القتال في الفتنة، وعلى ذلك