الوقف الخيري المستقل - تجربة لبنانية.
إن كان الوقف صيغة خيرية وصدقة جارية تعتبر بحق إحدى أهم المنجزات في تأطير الخير وتنظيمه منذ مطلع الإسلام وامتدادًا إلى مختلف العصور الإسلامية الزاهية منها والخافتة وصولًا إلى يومنا هذا ... فإن هذه الصيغة الفاعلة قد حفظت في ذاكرة الزمن ولا تزال شخصية الأمة الحضارية وغدت بحق عنوانًا مهمًا في حياة المسلمين.
ويمكن أن نقول بكثير من الطمأنينة: إن الأوقاف إحدى ظواهر الثقافة الإسلامية في الإطار الاجتماعي عبر التاريخ، لذلك فإن الظروف التي تعيشها الأوقاف في مختلف البلدان الإسلامية هي وليدة تاريخ طويل، وكانت مرآة لحركة المجتمع المسلم في مجال الدعوة الإسلامية والخدمة الاجتماعية والعلمية، فقد كانت العبارة المنفردة لمالك"العين"تصنع"مؤسسة عامة"لها من القدرة ما يساعد على إيجاد التوازن بين حاجات المجتمع وتوفير الضمانات له.
وقد تعرض هذا الإنجاز الإسلامي لما تعرضت له جميع الظواهر الإسلامية من مراحل مد وجزر، وخصوصًا الانحسار الذي طرأ في القرن الماضي فكان أثره على الأوقاف تحولًا في المفاهيم المثالية لأهدافها وأصبحت الأوقاف أقرب إلى صيغة متشابكة من الأنظمة.
والوقف، خلاف ما قد يتوهمه البعض في ما آلت إليه ذهنية العاملين فيه في القرنين الأخيرين. إنه إدارة أملاك عقارية تصرف ريوعها على مستحقيها المعينين في الحجة فهو علاوة على ذلك عين فكرية أو أسلوب يخدم أغراضًا عامة وفق نظام حجة الوقف. وهكذا يمكن أن يكون لهذه المؤسسة الوقفية شخصية معنوية وإدارات تنفيذية عديدة ورئيس أول هو الناظر ورئيس تنفيذي هو متول، وطبيعة هذه المؤسسة أو الوقف مستقل عن سواه إلا أن تكون الحجة قد اشترطت التعاون مع مثيله أو أن الحاكم المسلم قد أقام إدارة لها يجري من خلالها التنسيق والتوثيق والإشراف وقد يقوم بذلك القاضي الشرعي وقد يمنح الاختصاص لمديرية عامة أو لوزارة تؤول إليها الأوقاف الخيرية التي لا توليات عليها أو تصير إليها الحصة الخيرية من الأوقاف الذرية بعد أن أجيز تصفيتها ... على أن الوقف الخيري احتفظ بإمكان إعلانه وإنشائه أمام القاضي الشرعي كما احتفظ باستقلاله عن الدائرة الرسمية وبقي نشاطًا فرديًا أو مؤسسيًا محتفظًا بالشخصية المعنوية ويهدف إلى أغراض الخير الكثيرة أو بعضها.
وللوقف أركان وشروط ونتائج، غير أن الضابط لهذا كله حجة الوقف التي تمنحه الشرعية وتؤسس له الهدف والنظام.
وتبرز أهمية حجة الوقف باعتبارها النظام الأساسي له أو دستوره مع تزايد الحاجة إلى الأوقاف في هذه الفترة الصعبة من حياة الأمة في مختلف المناحي الخيرية والاجتماعية والصحية